كتب : زياد فرحان المجالي – عمّان
قد لا تكون إيران هي الصداع الأكبر الذي يواجه دونالد ترامب في الشرق الأوسط.
فالحروب، مهما اتسعت، يمكن أن تتوقف. والصواريخ يمكن أن تصمت، والمفاوضات يمكن أن تعود إلى الطاولة.
لكن ماذا يحدث عندما تبدأ الثقة نفسها بالتآكل بين الحليف وحليفه؟
هنا تكمن المشكلة الأخطر التي تواجه واشنطن في الخليج.
فالعلاقة الأمريكية – الخليجية لم تصل إلى مرحلة الانهيار. القواعد العسكرية ما تزال قائمة، وصفقات السلاح مستمرة، والتنسيق الأمني لم يتوقف. لكن تحت هذا السطح بدأت تتشكل معادلة جديدة:
الخليج لا يريد مغادرة التحالف مع أمريكا، لكنه لم يعد يريد أن يضع أمنه كله في يدها.
وهذا ربما يكون أحد أهم التحولات الاستراتيجية التي أفرزتها المواجهة مع إيران.
طوال عقود، قامت العلاقة بين واشنطن ودول الخليج على معادلة شبه مستقرة: الولايات المتحدة توفر الردع والمظلة العسكرية، والخليج يوفر شراكة سياسية واقتصادية واستراتيجية واسعة.
لكن الحرب أدخلت سؤالًا جديدًا إلى هذه المعادلة.
فالقواعد الأمريكية التي نُظر إليها طويلًا بوصفها مظلة حماية، أصبحت في أجواء المواجهة المفتوحة جزءًا من حسابات الاستهداف الإيراني.
وهنا تغير السؤال.
لم يعد فقط:
ماذا تمنحنا أمريكا من حماية؟
بل أصبح أيضًا:
ما حجم المخاطر التي قد تجلبها قرارات واشنطن إلى أراضينا؟
هذه هي أزمة الثقة الحقيقية.
دول الخليج لا تريد انتصارًا إيرانيًا، ولا تنظر إلى طهران باعتبارها بديلًا استراتيجيًا، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول مدنها وموانئها ومنشآتها النفطية ومشاريعها الاقتصادية إلى ساحات تدفع ثمن حرب لم تكن صاحبة القرار في إشعالها أو توقيتها.
ومن هنا يمكن قراءة التحركات الخليجية الأخيرة بعيدًا عن فكرة القطيعة مع واشنطن.
فالترتيبات الدفاعية الجديدة، ومنها التقارب العسكري بين السعودية وتركيا وباكستان، لا تعني استبدال أمريكا بحليف آخر، بقدر ما تشير إلى رغبة في تنويع مصادر القوة وتقليل الاعتماد على مظلة واحدة.
والرسالة هنا واضحة:
الولايات المتحدة ستبقى حليفًا أساسيًا، لكنها لن تبقى الخيار الأمني الوحيد.
وهنا يبدأ مفهوم التحوط الاستراتيجي.
فالخليج لا ينتقل من المعسكر الأمريكي إلى معسكر مضاد، وإنما يبني شبكة أوسع من الشراكات تمنحه هامشًا أكبر للمناورة والقرار.
تركيا تملك قوة عسكرية وصناعة دفاعية متنامية، وباكستان تمتلك وزنًا عسكريًا واستراتيجيًا معتبرًا، فيما تعمل دول الخليج نفسها على توسيع قدراتها الدفاعية والصناعات العسكرية المحلية.
أي أن السؤال الإقليمي بدأ يتحول من:
من سيحمينا؟
إلى:
كيف نضمن قدرتنا على حماية أنفسنا إذا اختلفنا يومًا مع من يحمينا؟
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تقلق واشنطن.
فاستمرار القواعد والاجتماعات وصفقات السلاح قد يوحي بأن التحالف بخير، لكن التحالفات لا تتغير فقط عندما تُغلق القواعد.
أحيانًا يبدأ التحول الحقيقي عندما يبدأ الحليف في بناء الخطة البديلة.
وهذا ما يحدث تدريجيًا: تنويع للشراكات، توسع في العلاقات الآسيوية، تقارب مع قوى إقليمية، ومحاولات لفتح قنوات مع الخصوم بدل إبقاء كل مفاتيح الأمن بيد طرف واحد.
والمفارقة أن ترامب نفسه طالب حلفاء أمريكا مرارًا بتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم.
والخليج يفعل ذلك الآن.
لكن الحليف الذي يصبح أكثر قدرة على حماية نفسه يصبح أيضًا أكثر قدرة على قول لا لواشنطن.
وهنا يتحول تقاسم الأعباء إلى تقاسم القرار.
لن تغادر أمريكا الخليج، ولن تنهار الشراكة التاريخية بين الطرفين.
لكن شيئًا جوهريًا تغير:
أمريكا ما تزال ضرورية للخليج، لكنها لم تعد كافية وحدها.
وهذا هو صداع ترامب الحقيقي.
فالحروب قد تنتهي باتفاق، والقواعد يمكن إعادة ترتيبها، وصفقات السلاح يمكن تجديدها.
أما الثقة، فإذا تصدعت، فإن استعادتها أصعب.
ولهذا فإن ما يجري ليس مجرد خلاف حول إيران، بل بداية إعادة تعريف للعلاقة الأمريكية – الخليجية:
من الاعتماد إلى التحوط، ومن المظلة الواحدة إلى تعدد الخيارات، ومن الثقة المطلقة إلى شراكة تحكمها المصلحة.
وهذه قد تكون بداية شرق أوسط مختلف.
