
د. معن علي المقابلة
لم يعد مقبولاً التعامل مع #اتفاقيات تمس أصولاً سيادية على أنها #إنجازات_استثمارية تُمرَّر بالأرقام المجتزأة والبيانات المطمئنة. فالاتفاقية الأخيرة التي وقّعتها #الحكومة الأردنية، ممثلة بشركة تطوير العقبة، مع #موانئ #أبوظبي لإدارة وتشغيل #ميناء_العقبة الجديد لمدة 30 عاماً، تستوجب مساءلة سياسية واقتصادية واضحة، لا بيانات علاقات عامة.
هذه الاتفاقية ليست حدثاً معزولاً، بل امتداد لنهج بدأ عام 2008، حين تم بيع الميناء القديم (الشمالي) لشركة المعبر الإماراتية على مساحة تقارب 3200 دونم مقابل 500 مليون دولار، مع تحمّل الدولة الأردنية كلفة البنية التحتية، واكتفائها بنسبة 3% فقط من أي عائد استثماري مستقبلي، وبموافقة مجلس النواب آنذاك.
بعد أكثر من خمسة عشر عاماً، يتكرر المشهد ذاته: شريك أجنبي يملك القرار والعائد الأكبر، ودولة تكتفي بدور المتفرج وحصة محدودة. وفق الاتفاقية الجديدة، تحصل موانئ أبوظبي على 70% من الإيرادات، مقابل 30% للأردن. لكن الأخطر من توزيع الحصص هو تضارب الأرقام المعلنة حول قيمة الاستثمار.
فالإعلام الرسمي الأردني يتحدث عن استثمار بقيمة 130 مليون دينار أردني، بينما تؤكد المصادر الإماراتية الرسمية ووسائل إعلام دولية موثوقة أن قيمة الاستثمار لا تتجاوز 141 مليون درهم، أي ما يعادل نحو 27 مليون دينار أردني فقط. هذا الفرق ليس تفصيلاً محاسبياً، بل فجوة هائلة تستدعي تفسيراً رسمياً واضحاً. من المسؤول عن هذا التضليل؟ ومن قرر تقديم أرقام للرأي العام تختلف جذرياً عن تلك التي تعلنها الجهة المستثمرة نفسها؟ وهل ما زالت سياسة “التطمين الإعلامي” بديلاً عن الشفافية والمكاشفة؟
ثم نأتي إلى العائد الموعود: 90 مليون دينار حصة الأردن على مدار 30 عاماً، أي نحو 3 ملايين دينار سنوياً. رقم هزيل إذا ما قورن بحجم المرفق وأهميته، وبكلفة إنشاء ميناء العقبة الجنوبي التي بلغت 335 مليون دينار أردني، دون احتساب كلفة البنية التحتية التي تحملتها الخزينة العامة. فهل يُعقل أن تكون حصيلة أصل سيادي بهذا الحجم أقل من عائد مشروع متوسط في أي قطاع آخر؟ المساءلة لا تتوقف عند الأرقام، بل تمتد إلى القرار نفسه. هل يعجز الأردن فعلاً عن إدارة وتشغيل مينائه الرئيسي؟
وهل يُعقل أن دولة تباهت لعقود بمواردها البشرية وكفاءاتها لا تستطيع، بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على #خصخصة_الميناء_القديم، إعداد كوادر وطنية متخصصة في إدارة وتشغيل واستثمار الموانئ؟ السؤال الأشد إلحاحاً: ماذا فعلت الحكومات المتعاقبة منذ عام 2008؟ هل وُضعت خطط حقيقية لنقل المعرفة وبناء الخبرات المحلية؟ وهل جرى توظيف وتأهيل كوادر أردنية ضمن صفقة المعبر كما يُسوَّق اليوم في الاتفاقية الجديدة؟ أم أن وعود “نقل الخبرة” بقيت حبراً على ورق، تُستدعى عند كل صفقة جديدة لتبرير إعادة إنتاج الاعتماد على الخارج؟
في بلد يرزح تحت مديونية خانقة، ويُطالب مواطنوه بشد الأحزمة ورفع الضرائب بحجة شح الموارد، يصبح التفريط بعوائد أصول استراتيجية أمراً لا يمكن تبريره اقتصادياً ولا سياسياً. فالدولة التي تحتاج إلى كل دينار لدعم موازنتها لا تملك رفاهية منح 70% من إيرادات أحد أهم مرافقها الحيوية لطرف خارجي، مقابل عائد سنوي متواضع لا يغيّر شيئاً في المشهد المالي العام. قضية ميناء العقبة ليست تقنية ولا استثمارية فقط، بل قضية سيادة وقرار وشفافية. وهي تستوجب إجابات واضحة: من فاوض؟ على أي أسس؟ ولماذا غابت البدائل الوطنية؟ ولمصلحة من تُدار هذه الاتفاقيات بهذه الصيغة منذ أكثر من عقد ونصف؟
إن استمرار تمرير مثل هذه الاتفاقيات دون نقاش عام حقيقي، ودون مساءلة برلمانية فاعلة، يعني أن الخلل لم يعد في صفقة بعينها، بل في النهج نفسه. وميناء العقبة، بوصفه شريان الأردن البحري الوحيد، يستحق إدارة وطنية قوية، أو على الأقل شراكات عادلة تحفظ للدولة دورها وحقها، لا اتفاقيات طويلة الأمد تُراكم الأسئلة وتؤجل الإجابات.
كاتب اردني
Maen1964@gmail.com

