خارج النص – كتب حلمي الأسمر
ليست هذه الجملة استعارة أدبية ولا حكمة رومانسية عن الألم والخلاص، بل توصيف دقيق لقانون قاسٍ يحكم حركة التاريخ منذ نشوء الحضارات: التاريخ لا ينتقل من نموذج إلى آخر عبر الإصلاح الهادئ، بل عبر الانهيار، لا يولد عبر التراكم العقلاني، بل عبر التوحّش. كل نظام عالمي كبير، كل رواية حضارية مهيمنة، كل منظومة قيم تدّعي تمثيل الإنسانية… لا تسقط إلا بعد أن تمرّ بمرحلة عري أخلاقي كامل، حيث تُكسر المحرّمات، وتُرفع الأقنعة، وتصبح القوة لغة مشروعة، ويغدو العنف منطقًا مقبولًا، بل ضرورة “أمنية” في الخطاب الرسمي.
التاريخ نفسه يقدّم الشواهد بلا مواربة. سقوط الإمبراطورية الرومانية لم يُنتج العصر الوسيط عبر انتقال سلس، بل عبر قرون من الحروب الأهلية، التفكك الاقتصادي، صعود الميليشيات، وانهيار الدولة المركزية، قبل أن يولد نموذج حضاري جديد على أنقاض الخراب. الحداثة الأوروبية لم تنبثق من التنوير مباشرة، بل من حروب دينية دموية، محاكم تفتيش، مذابح طائفية، وصراعات وجودية بين الكنائس والإمارات. حتى الثورة الفرنسية، ‘أيقونة” الحرية الحديثة، لم تبدأ بحقوق الإنسان، بل بالمقصلة، الإرهاب الثوري، الإعدامات الجماعية، وفوضى أخلاقية كاملة سبقت استقرار الجمهورية. أما النظام الدولي المعاصر، فلم يولد من مؤتمر فكري، بل من حربين عالميتين، سبعون مليون قتيل، فاشية ونازية، وإبادة نووية، ثم فقط ظهرت الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان.
ما نستخلصه من هذا المسار ليس درسًا أخلاقيًا، بل قانونًا بنيويًا: التوحّش ليس شذوذًا عن التاريخ، بل آليته الداخلية في لحظات التحول الكبرى. حين يموت نظام ولا يولد بديله بعد، يدخل العالم ما يمكن تسميته “منطقة الفراغ الحضاري”، حيث تنهار القواعد، تسقط الشرعيات، تضعف القوانين، وتصعد القوة العارية بلا أقنعة. هذه ليست مرحلة الجنون، بل مرحلة الفراغ بين روايتين حضاريتين.
وهنا تحديدًا نقف اليوم. العالم لا يعيش أزمة سياسية عابرة، ولا اضطرابًا مؤقتًا في ميزان القوى، بل يعيش نهاية نموذج حضاري كامل: النموذج الغربي الليبرالي الذي قدّم نفسه لقرنين مضيا بوصفه ذروة العقل والقيم والإنسانية. هذا النموذج يتفكك الآن أمام أعيننا لا بفعل خصومه فقط، بل بفعل تناقضاته الداخلية. ما نراه من حروب، إبادة، شرعنة للعنف، انهيار للقانون الدولي، صعود للفاشيات الجديدة، ليس انحرافًا عن هذا النظام، بل لحظة انكشاف جوهره حين يُسحب عنه القناع الأخلاقي.
لهذا يبدو الصراع الراهن بين الإسلام والغرب أعمق بكثير من صراع نفوذ أو حدود. إنه صراع روايتين عن معنى الإنسان نفسه. الغرب الحديث بنى شرعيته على فكرة الفرد الحر، الحقوق الكونية، العقلانية، والقانون. لكن هذه الرواية تنهار لحظة اختبارها خارج المركز الأوروبي: الإنسان يصبح غير متساوٍ، الحقوق انتقائية، القانون أداة سياسية، والإبادة تتحول إلى “دفاع عن النفس”. في المقابل، يعود الإسلام – لا كقوة عسكرية بالضرورة – بل كرواية معنى منافسة: فكرة العدالة المتجاوزة للقوة، فكرة الحق كقيمة أخلاقية لا كامتياز سياسي، فكرة الإنسان ككائن مكرّم لا كأداة في السوق أو الحرب. لهذا يبدو الصراع وجوديًا: لأنه ليس بين دول، بل بين روايتين للحياة والتاريخ والإنسان.
في قلب هذا المشهد تقف الصهيونية بوصفها التعبير الأكثر تطرفًا عن منطق الغرب نفسه. ليست الصهيونية يهودية دينية، بل تركيبًا حداثيًا يجمع بين الاستعمار الأوروبي وأسطورة الاصطفاء الديني، فينتج كيانًا يرى نفسه فوق القانون، فوق الأخلاق، فوق الضحية. ما تفعله الصهيونية في فلسطين ليس شذوذًا عن النظام العالمي، بل تطبيقه الحرفي حين يُنزع عنه القناع الليبرالي: إبادة باسم الأمن، تطهير باسم الدفاع عن النفس، قتل الأطفال باسم حماية القيم. لهذا فغزة ليست قضية فلسطينية، بل مختبر العصر، النقطة التي تنكشف عندها كذب الرواية الغربية كلها دفعة واحدة.
لكن لحظة التوحّش لا تتجلى فقط في الأطراف المنكوبة، بل في المركز نفسه. الحديث المتصاعد عن حرب أمريكية محتملة على إيران ليس مجرد سيناريو عسكري، بل علامة على انهيار منطق الردع القديم وبروز منطق الإمبراطورية العارية. الولايات المتحدة لم تعد قوة “نظام دولي”، بل قوة إدارة فوضى عالمية، تلوّح بالحرب لا باعتبارها فشلًا سياسيًا، بل باعتبارها أداة طبيعية لإعادة ضبط العالم. الحرب لم تعد آخر الحلول، بل أصبحت جزءًا من اللغة اليومية للسياسة الغربية، وهذا بالضبط ما يميّز مرحلة التوحّش تاريخيًا: حين تتحول القوة من استثناء إلى قاعدة.
وفي الداخل الغربي نفسه، بعيدًا عن الجبهات، تتجلى الوحشية في صورة أخرى أكثر رمزية وفضائحية: ملفات إبستين. هذه القضية ليست فضيحة أخلاقية عابرة عن شبكة استغلال جنسي، بل مرآة مكثّفة لانهيار الرواية من الداخل. نحن أمام شبكة نخبوية عالمية تضم سياسيين، مليارديرات، إعلاميين، أجهزة استخبارات، تُدار فيها أجساد الأطفال كما تُدار الحروب والأسواق: بلا محاسبة، بلا قانون، بلا ضمير. إبستين ليس شخصًا، بل عرض مرض حضاري: حين تتحول النخبة التي تدّعي تمثيل القيم إلى شبكة افتراس منظم، ويصبح الانحراف الجنسي استعارة دقيقة لانحراف السلطة نفسها.
هنا تلتقي الحرب على إيران مع فضيحة إبستين في مستوى أعمق مما يبدو: كلاهما تعبير عن نفس البنية المتوحشة. في الخارج إبادة بالقنابل، وفي الداخل افتراس بلا مساءلة. في الجغرافيا عنف عسكري، وفي البنية الاجتماعية عنف رمزي وجسدي وأخلاقي. هذا ليس تناقضًا في الغرب، بل انسجامه الحقيقي حين تسقط الرواية ويظهر الجوهر.
أما النظام العربي الرسمي، فهو لا ينهار عسكريًا بقدر ما ينهار وجوديًا. لم يعد فاعلًا ولا حتى تابعًا فعالًا، بل كيانًا هامشيًا داخل توازنات لا يصنعها ولا يؤثر فيها. دول بلا سيادة استراتيجية، أنظمة بلا مشروع تاريخي، نخب بلا أفق. الأخطر من الضعف هو فقدان المعنى: لم يعد هذا النظام يمثل حتى رواية الدولة الحديثة، بل تحوّل إلى إدارة أمنية للركود، لا لإنتاج المستقبل.
وسط هذا الخراب الكوني، تظهر غزة بوصفها مفارقة تاريخية مذهلة: أضعف كيان ماديًا، وأقوى كيان رمزيًا. بلا اقتصاد، بلا جيش نظامي، بلا حلفاء حقيقيين، لكنها تمتلك ما لا تملكه الإمبراطوريات: القدرة على كسر الرواية. غزة لا تهزم إسرائيل عسكريًا، لكنها تهزم النموذج الغربي أخلاقيًا أمام العالم كله. إنها النقطة التي ينكشف عندها كذب القيم، عجز القانون، نفاق الإعلام، وهشاشة النظام الحضاري بأكمله. لهذا تُقصف بهذا الجنون: ليس لأنها خطر عسكري، بل لأنها خطر وجودي على معنى القوة نفسه.
نحن إذًا لا نعيش أسوأ مراحل البشرية، بل أوضح لحظاتها. لحظة انكشاف الجوهر. لحظة سقوط الأقنعة. لحظة الفراغ بين عالم مات ولم تولد روايته البديلة بعد. التوحّش الذي نراه ليس انحرافًا عن التاريخ، بل علامته الانتقالية. التاريخ الآن يخلع جلده القديم بالقوة، والنظام العالمي يتفكك، والرواية الغربية تموت، والدولة القومية تهتز، والأخلاق تُسحق تحت أقدام المصالح.
السؤال الحقيقي لم يعد: من سينتصر؟
بل: أي إنسان سيخرج من هذا المخاض؟
إنسان السوق؟
إنسان القوة؟
أم إنسان المعنى؟
كل ولادة تاريخية كبرى… تسبقها مرحلة توحّش.
ونحن الآن… في قلب الرحم الدموي للتاريخ.
