أخبار

لماذا يجب تحرير الدين من السياسة

لماذا يجب تحرير الدين من السياسة


لماذا يجب #تحرير #الدين من #السياسة

#شيرين_قسوس

الدين في جوهره تجربة أخلاقية داخلية، والسياسة في جوهرها إدارة مصالح وصراع قوى، وحين يُزجّ بالدين في قلب السياسة لا يسمو الدين، بل تُقدَّس السياسة وتتحصن من النقد. هنا تبدأ المشكلة، لا لأن الإيمان خطأ، بل لأن الإيمان حين يتحول إلى أداة يفقد معناه الأخلاقي.
فالإيمان بحد ذاته ليس فضيلة مستقلة، ولم يكن يومًا كذلك. القيمة الحقيقية لا تكمن في ما يؤمن به الإنسان، بل في ما يفعله بهذا الإيمان. التاريخ مليء بمؤمنين صادقين ارتكبوا مظالم جسيمة، لا لأنهم بلا إيمان، بل لأنهم اعتقدوا أن الإيمان يعفيهم من المحاسبة، وأن النية تكفي، وأن القداسة تبرر الفعل.
حين تدخل السياسة على الدين، يتحول الإيمان من بوصلة أخلاقية إلى راية صراع، تُرفع في وجه الخصوم، وتُستخدم لتخوين المختلف، وتبرير الظلم، وتحويل الخلاف السياسي إلى معركة بين “حق” و“باطل”، حيث لا يعود الخصم مخالفًا في الرأي، بل عدوًا أخلاقيًا أو دينيًا. وبهذا يُسلب الإنسان حقه في الاختلاف، وتُغلق أبواب المراجعة.
السياسة بطبيعتها نسبية، متغيرة، وقابلة للخطأ، أما الدين فعندما يُربط بها يُقدَّم بوصفه مطلقًا ونهائيًا، فينشأ كيان مشوّه: سياسة بلا مساءلة، ودين بلا رحمة. تحرير الدين من السياسة لا يعني إقصاء القيم عن المجال العام ولا محاربة الإيمان، بل إنقاذه من الابتذال، من أن يتحول إلى خطاب تعبوي أو أداة شرعنة لممارسات لا أخلاقية.
الإيمان الحقيقي لا يحتاج سلطة تحميه ولا دولة تفرضه، ولا عدوًا يبرر وجوده. الإيمان الذي لا يُنتج عدلًا، ولا يحدّ من الظلم، ولا يجعل الإنسان أرحم وأكثر مسؤولية، هو إيمان ناقص مهما بدا صلبًا في الخطاب والشعار. ليست المشكلة أن يؤمن الناس، بل أن يظنوا أن الإيمان وحده كافٍ، وأن صحة العقيدة تمنح تفوقًا أخلاقيًا تلقائيًا.
السؤال الجوهري ليس بماذا تؤمن، بل ماذا فعل إيمانك بك؟ هل جعلك أكثر عدلًا أم أكثر قسوة، أكثر تواضعًا أم أكثر استعلاء، أكثر التزامًا أم أكثر تبريرًا؟ حين يُحرَّر الدين من السياسة يعود إلى مكانه الطبيعي: ضميرًا ناقدًا للسلطة لا تابعًا لها، ميزانًا أخلاقيًا يُحاسب ولا يُشرعن.
وحينها فقط يُقاس الإيمان لا بما يُرفع من شعارات، بل بما يتركه من أثر في الواقع، بما يُخفف من ظلم، ويُصلح من خلل، ويعيد للإنسان إنسانيته. فالإيمان، في النهاية، ليس ما نعلنه… بل ما نمارسه.

  • Untitled 1



المصدر

السابق
كاريكاتير ناصر الجعفري – سواليف
التالي
حماس تكذّب رواية الاحتلال بعد سلسلة غارات أسفرت عن استشهاد 30 مواطنا في غزة