
#نور_على_نور
د. هاشم غرايبه
يعتبر مصطلح “أولو الألباب” من العبارات اللافتة التي أدخلها القرآن في المفاهيم والمصطلحات، ولم يستعملها العرب قبلا بالمعنى الذي قصده الله.
“ذو اللب” كانت تستعمل سابقا للدلالة على الذكي الفطن، ولكنها حالة فردية تصف شخصا، ولم يطلق الوصف جماعيا، لتفاوت الأفراد باكتساب تلك الموهبة، لذلك فلا يمكن أن يكون الله قصد بهؤلاء الناس الذكاء أو النبوغ، لأنه خصهم بالمديح والتقدير، ولا يختص الله شخصا بالمدح على شيء هو منحة منه، وإنما حصله بجهده واجتهاده.
لذا فأولو الألباب ليست دالة على الذكاء والنبوغ، ولا صفة المخترعين والمبدعين الذين فعلوا ما فعلوه بقصد الكسب أو تحقيق الشهرة.
إذا تأملنا مواضع ورودها في كتاب الله نجدها وردت في ستة عشر موضعا، وجميعها تصف أشخاصا ميزهم الله بالفطنة وفهم مرادات الله فامتازوا بحسن التذكر واخذ العبر، وميزوا أنفسهم بالإيمان العميق الذي أوصلهم لمرتبة التقوى.
نتوصل إذا لتعريف من عناهم الله تعالى بهذه التسمية، فهي ليست موهبة تتوزع بين البشر بنسبة ما كباقي المواهب، وليست درجة علمية يمكن لأي دارس نيلها، بل هي مرتبة من مراتب الإيمان، وتتميز بالفهم العميق لما هو وراء المظاهر التي يراها عامة الناس، ومثلما أن البصر هو رؤية الأشياء الظاهرة، فالبصيرة هي رؤية حقيقة الأشياء، كذلك فإن أولي الألباب هم من لا يكتفون بظواهر الأشياء، بل يتعمقون في فهمها، والعلة من وجودها.
معروف أن كل الكائنات الحيوانية تدرك الأشياء بالمحسوس، والمعتمد على ما تستقبله حواسها وأهمها عنصري السمع والبصر، لكن العقل البشري الأرقى مزود بآليات المحاكمة العقلية، التي تحلل المحسوس، وتطابقه مع المخزون المعرفي المخزن في الذاكرة، الذي اكتسبته بالخبرة أو بالتعلم، فتستنتج منه ماهو أبعد من الصورة أو الصوت الظاهري.
لقد كان خلقُ الله (ما نسميه) العقل البشري قمة الإعجاز، وأراد الله بمنحه للإنسان وحده من بين كل الكائنات الحية أن يستخدمه للتوصل الى معرفته، فكان التحدي لهذا العقل بأن جعل الله ذاته خفية على الإدراك الحسي.
بالمقابل جعل كل الموجودات ووظائفها منظمة بدقة باهرة، وكل أجهزة الكائنات الحية تعمل بنظام واحد، لتدل على أنها مصنوعة بقصد، فيستنتج العقل البشري صفات صانعها الباهرة، ويعرفه بها، وعندها يعلم أنه الإله الخالق والرب المدبر، فيعبده اعترافا بفضله.
من هذه البداية تميز أولو الألباب عن غيرهم، فهم استعملوا عقولهم لما خلقت له فنجحوا باجتياز الامتحان الأول (الإيمان).
هنا نفهم لماذا عزز كل الرسالات السابقة بمعجزات بهرت العقول بتخطيها لحاجز المعقول حسيا بالنسبة لهم، فلم يكن العقل الجمعي البشري قد ارتقى بعد لفهم ما وراء ذلك إلا أنه سحر.
في الرسالة الختامية كان التطور الفكري البشري قد تقدم، فتم الاستغناء عن الحاجة للمعجزات القاهرة للعقل، فكان اللجوء الى المحاكمة العقلية المنطقية للأشياء الظاهرة، فكان الإقناع بالإيمان بالحجة العقلية والدليل المنطقي.
ولما كان التحدي الأساس هو كيف يقتنع الإنسان بالإيمان اختياريا، بأدواته العقلية فقط ومن خير أدلة حسية، فقد استغرقت الدعوة ثلاثا وعشرين عاما، فيما استغرق إعداد النبي صلى الله عليه وسلم لحملها أربعين عاما، لإقناع المجتمع القرشي بمواصفتي الصادق الأمين، وترسيخ هذه القناعة بالتجريب الطويل، ليتقبلوا ما سيأتيهم به من رسالة ستقلب كل مفاهيمهم المتوارثة، وستستبدل بها أخرى نقيضة لما اعتادوه.
وهنا كان التمايز الثاني لأولي الألباب عن متبعي الشهوات والإمعات الذين استطابوا التبعية القبلية.
أما الثالث فهو بعد أن انتصرت الدعوة واندحر معادوها، وكان تمايزا في صدق الإيمان والتضحية، عن ضعيفي الإيمان والمنافقين، عندما عرف أولو الألباب أن ما عند الله خير وأبقى، فاستبدلوا الآخرة الباقية بالدنيا الزائلة.
انتصر الدين وأصبح واقعا لا يمكن إزالته الى يوم الدين، وأعلن الله هذ الحقيقة: “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ” [المائدة:3]، فهل انتهت الحاجة لأولي الألباب؟
قطعا لا فما زال المعادون يطعنون في الدين ويحلمون بالقضاء عليه، ودور أولي الألباب ما زال هاما، فمن بينهم يظهر المصلحون والعلماء، ومنهم يكون المجاهدون والدعاة، وهكذا تكون الحياة الدنيا قد حققت ما أراده الله منها: ابتلاء بني آدم بقصد التمحيص والفرز للتأهل الى مراتب الحياة الأخرى.

