#تأملات_قرآنية
د. #هاشم_غرايبه
يقول تعالى في الآية 51 من سورة المائدة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ”.
اصطفاء الله أمتنا بأنها خير أمة أخرجت للناس لم يكن لأن العرب أفضل من غيرهم، بل هي مكرمة منه تعالى وابتلاء، يستحقونها إن أدوا متطلباتها، والتي بيّنها الله بجلاء في كتابه الكريم، وجعلها الوصفة الصحيحة لاستحقاق الخيرية.
كما بين بالمقابل الوصفة المؤدية الى البوار والهلاك، من خلال ما آلت اليه الأمم الأخرى التي حباها سابقا بأنعمه وأنزل عليها رحمته بأنبياء دعوهم الى اتباع منهج الله، فلما كفرت بتلك النعم، واعتقدت بنفسها العزة، وأن الخيرية هي في ذاتها، أذلها الله، فمنها من نالت جزاء ذلك الإستئصال الشامل، فاستبدل بها قوما آخرين، ومنها من سلط عليهم الذلة والمسكنة، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف.
لذلك، من رحمة الله بهذه الأمة، أن بين لها كل سننه في خلقه بالتفصيل، وذكر لها قصص الأقوام السابقة، ليس للتسرية ولا التسلية، بل لأخذ العبر والدروس.
هذه الآية الكريمة لم تجد من المفسرين القدامي اهتماما مناسبا. فلم يكن اليهود ولا النصارى في وضع متفوق يجعل في موالاتهم مصلحة ولا نفعا، كما أنهم لم يكونوا يشكلون خطرا حقيقيا، فلم يكونوا بعد يحتلون أرضا للمسلمين ولا يدنسون مقدساتهم، ولا يشنون عليهم الحملات ويستعملون على حكمها أتباعهم.
لم يدر بخلدهم أن هذه الآية لما يحن زمان تأويلها بعد، لذلك اعتقدوا أنها معنية بالتعامل الفردي مع القاطنين بينهم ذلك الزمان، ففسروها على أنها تعني الموالاة الشخصية.
ولما أن جاء أوان استحقاقها، وتبين أن الموالاة المقصودة هي على صعيد النظام السياسي والعلاقات الدولية، لذا تحاول الأنظمة الحاكمة للمسلمين تجاوز هذه الآية الكريمة، بل تتجاهلها، وتضعها في رأس القائمة التي تسعى عبثا لإلغائها من القرآن، لذلك فهي تستبعدها من المناهج المدرسية، بذريعة أنها تحض على الكراهية، وتنفر من التعامل مع اتباع العقائد السابقة.
ما يدّعونه تضليل مبين، فهذه الآية الكريمة لا تدعو الى مثل ما يظنون، فهي أمر لعموم المؤمنين، الذين هم المسلمون، بدلالة الأمر بعدم موالاة اليهود والنصارى، مما يعني أن المؤمنين عند الله هم من آمنوا بالله ولم يشركوا به أحدا وبكل أنبيائه وكتبه ورسله، وهذا ما تنفرد به العقيدة الإسلامية.
لقد جاء أمر الله باستعمال (لا) الناهية، إذا فهو تحريم واجب التنفيذ، ولا يجوز تعطيله بأية حجة، لكن يجب فهم الأمر جيدا.
الموالاة تعني الإتباع بقصد الإحتماء بهذه العلاقة، والولي هو النصير والمعين بدلالة قوله تعالى “وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ” [الأنفال:40].
لذلك ليس المراد من هذه الآية قطع الأواصر الإجتماعية مثل حسن الجيرة والتعامل والصداقة والزمالة، مع الأفراد الذين عقيدتهم يهودية أونصرانية، سواء في المجتمع المسلم أو خارجه، فهذه علاقات فردية شخصية وهي نافعة للمجتمعات، لا يترتب على قوتها أو ضعفها إضرار بالمنهج، ولا تؤدي الى إضعاف المجتمعى المسلم.
بل على العكس، فقد أثبت التاريخ أن التعامل الحسن للمسلمين مع غيرهم قد أدى الى تأليف قلوب معاديهم، والى هداية الكثيرين الى دخول الإسلام، وبأعداد أكثر بكثير مما حققته الفتوحات والبعثات الدعوية.
هكذا نتوصل الى أن المقصودين بالأمر الإلهي الوارد في هذه الآية الكريمة هم أصحاب القرار أي ولاة أمر المسلمين.
أعداء الأمة والساعون الى إطفاء نور الله (الإسلام) هم ذاتهم منذ القدم، لم يتغيروا ولم يبدلوا من عدائهم شيئا، ونجد دائما ان الأصناف الثلاثة (الكافرين الملحدين والكافرين المشركين والكافرين بالرسالة الخاتمة) متصارعون فيما بينهم على المصالح، لكنهم عندما يتعلق الأمر بمحاربة الإسلام، تجدهم انخرطوا في حلف واحد.
هذا معنى قوله تعالى: “بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ”، لذلك فمن يدخل مع هذا الجمع في معاهدة تحالف وتنسيق أمني فهو يتبنى أهدافه، وبالتالي فهو شريك في الكيد للدين.. وهذا معنى قوله تعالى: “وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ”.
اخيرا يجب التنبه الى خطورة مخالفة أمر الله فقوم صالح لم يشاركوا جميعهم في قتل الناقة، واحد فقط من عقرها، لكنهم لأنهم سكتوا عن فعلته وأقرها بعضهم، أخذهم الله جميعا بذنبه.
هذا المحتوى تأملات قرآنية ظهر أولاً في سواليف.
