أخبار

جو 24 : هل ما زلنا أحرارًا في ظل استعمار طوعي يُسمّى: الخوارزمية؟! #عاجل

جو 24 : هل ما زلنا أحرارًا في ظل استعمار طوعي يُسمّى: الخوارزمية؟! #عاجل


جو 24 :

 خارج النص- كتب حلمي الأسمر

(نحن، على الأرجح، أول أجيال التاريخ التي خضعت لهيمنة بلا سلاح، واحتلال بلا جنود، واستعمار نمارسه على أنفسنا طوعًا، تحت مسمّى تقني محايد..)

لم تعد الحرية في عصرنا مسألة قوانين مكتوبة أو شعارات كبرى، بل باتت سؤالًا يوميًا بسيطًا ومربكًا في آن واحد: هل ما نراه ونقرأه على شاشاتنا هو فعلًا ما اخترناه، أم ما اختير لنا دون أن نشعر؟ نحن نعيش زمنًا جديدًا من السيطرة لا يحتاج إلى جيوش ولا إلى احتلال مباشر، بل يقوم على قبول طوعي، واندماج ناعم، واستسلام مريح لمنظومة تعمل في الخلفية بهدوء. هذا الشكل الجديد من الهيمنة يُدار عبر ما يُسمّى اليوم بالخوارزميات.

الخوارزمية، بلغة بسيطة يفهمها أي قارئ، ليست أكثر من طريقة تفكير مكتوبة على شكل خطوات متسلسلة. مثل وصفة طبخ تقول لك: افعل هذا أولًا، ثم ذاك، وإن حصل أمر معيّن فتصرف بطريقة محددة، وإن لم يحصل فغيّر المسار. في العالم الرقمي، هذه الوصفة تتحول إلى عقل خفي يقرر ما الذي سيظهر لك على الشاشة، وما الذي سيُخفى عنك، وبأي ترتيب، وكم مرة، ولفترة كم من الوقت. الخوارزمية لا تفكّر ولا تشعر، لكنها تحسب وتقارن وتتعلّم من سلوكك بهدف واحد واضح: إبقاؤك متصلًا أطول وقت ممكن.

المفارقة اللافتة أن كلمة “خوارزمية” نفسها تعود إلى العالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي، أحد أعظم مؤسسي علم الجبر والمنهج الحسابي المنظم. حين تُرجمت أعماله إلى اللاتينية في العصور الوسطى، كُتب اسمه بصيغة “Algoritmi”، ومنها وُلد مصطلح Algorithm المستخدم اليوم عالميًا. ما كان في الأصل أداة لتحرير العقل من الفوضى الحسابية، تحوّل بعد قرون إلى أداة لتنظيم الوعي الإنساني نفسه، بل والتحكم في اتجاهاته ومزاجه وانفعالاته.

الوهم الأكبر الذي نعيشه اليوم هو الاعتقاد بأن ما نراه على وسائل التواصل هو انعكاس لاهتماماتنا وذوقنا الحقيقي. في الواقع، الخوارزميات لا تعكسنا بقدر ما تعيد تشكيلنا. فهي تراقب بصمت أين نتوقف، وماذا نحب، وما الذي يغضبنا، وما الذي نتجاهله، ثم تبدأ بضخ المزيد من المحتوى الذي يشبه هذه الأنماط. بهذه الطريقة، يجد الإنسان نفسه محاطًا تدريجيًا بفقاعة إدراكية يرى داخلها آراء تشبهه، وأخبارًا تؤكد قناعاته، ومحتوى ينسجم مع حالته النفسية، حتى يظن أنه يرى العالم كما هو، بينما هو في الحقيقة يرى نسخة مصمّمة خصيصًا له.

لم تعد الخوارزميات معنية بإقناع المستخدم أو تغييره فكريًا بالمعنى التقليدي، بل انتقلت إلى مستوى أعمق هو التكييف النفسي. فهي لا تسأل إن كان المحتوى صحيحًا أو أخلاقيًا، بل إن كان يثير التفاعل. الغضب يزيد التفاعل، إذن يتم تغذيته. الصدمة تجذب الانتباه، إذن يتم تضخيمها. الاستقطاب يرفع الأرقام، إذن يتم تعميقه. هكذا يتحول الفضاء الرقمي إلى اقتصاد نفسي كامل، تُستثمر فيه مشاعر البشر، ويصبح الإنسان نفسه مادة خامًا في سوق الانتباه.

في هذا السياق، تبدو حرية الاختيار شكلية أكثر منها حقيقية. لا أحد يجبرك على مشاهدة شيء بعينه، ولا أحد يمنعك صراحة من البحث أو الاطلاع، لكن ما لا يُعرض عليك بشكل متكرر ومنظّم لا يخطر ببالك أصلًا. أنت تختار، نعم، لكن من قائمة جرى ترتيبها مسبقًا بحيث يبدو الخيار “الطبيعي” هو الأكثر حضورًا والأقل مقاومة. السلطة هنا لا تقول لك افعل، بل ترتّب المشهد كله بحيث تريد ما يُراد لك أن تريده.

الأخطر في هذا الشكل من السيطرة أنه لا يُفرض بالقوة. نحن من فتح له الباب بأنفسنا، عبر هواتفنا وبياناتنا وانفعالاتنا وفضولنا الدائم. لم يعد الاستعمار بحاجة إلى كسر الأبواب حين يصبح الإنسان ذاته هو وسيط الهيمنة. نحن أمام استعمار بلا احتلال، وسيطرة بلا قمع، وهيمنة تعمل وأنت تشعر أنك حر.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن الحرية انتهت تمامًا. لكنها لم تعد وضعًا افتراضيًا مضمونًا، بل فعلًا واعيًا يتطلب جهدًا. الحرية اليوم تبدأ بالشك فيما يُقدَّم بوصفه “الأكثر تداولًا”، وبكسر نمط التصفح، وبالاستعداد لقراءة ما لا يريح، وسماع ما يناقض القناعات. إنها مقاومة معرفية قبل أن تكون سياسية، وصراع مع الخوارزمية التي تسكن الرأس قبل تلك التي تعمل في الخوادم.

نحن، على الأرجح، أول أجيال التاريخ التي خضعت لهيمنة بلا سلاح، واحتلال بلا جنود، واستعمار نمارسه على أنفسنا طوعًا، تحت مسمّى تقني محايد. ويبقى السؤال مفتوحًا ومؤلمًا: هل ما زلنا أحرارًا فعلًا، أم أننا نعيش داخل نظام ذكي يحمل اسم الخوارزمي، ويعيد برمجة الإنسان بصمت؟



Source link

السابق
جو 24 : هل ما زلنا أحرارًا في ظل استعمار طوعي يُسمّى: الخوارزمية؟! #عاجل
التالي
نزع السلاح: شمّاعة نتنياهو الجديدة لتعطيل اتفاق غزة