كتب زياد فرحان المجالي –
لا يمكن قراءة الطرح المتداول في بعض الدوائر الإعلامية والتحليلية العبرية حول الحرب المحتملة على إيران بوصفه مجرد نقاش فكري أو ترف تحليلي. هذا الطرح يظهر في لحظة سياسية شديدة الحساسية، وتحت ضغط قرار لم يُحسم بعد، لكنه يكشف بوضوح كيف يُنظر إلى الحرب داخل النقاش الإسرائيلي الداخلي، وكيف يجري الدفع بها إلى الأمام، ولو بأدوات أميركية. ما يلفت الانتباه هنا ليس فقط مضمون هذا الطرح، بل الجهة التي يُراد لها أن تقاتل، والجهة التي يُتوقَّع أن تدفع الثمن.
في وجهة النظر الإسرائيلية المتداولة، تُقدَّم الحرب على إيران باعتبارها فرصة استراتيجية نادرة: فرصة لتصفية خصم إقليمي ثقيل، وتغيير موازين القوة، وإعادة رسم المشهد، من دون أن تكون إسرائيل الطرف المباشر في المواجهة. الحرب، وفق هذا المنطق، يجب أن تُدار أميركيًا، وتُخاض بالنار الأميركية، بينما تُقطف نتائجها في تل أبيب. هذه ليست قراءة انفعالية ولا توصيفًا مؤامراتيًا، بل خلاصة منطقية لخطاب إسرائيلي سائد يرى أن أمن إسرائيل يتحقق عندما تُستنزف القوى الكبرى في صراعات تخدم مصالحها.
في المقابل، لا تُخفي إيران بدورها مصلحتها في إدارة الصراع لا تفجيره. طهران تدرك أن الحرب الشاملة مع الولايات المتحدة ستكون مدمّرة، لكنها تدرك أيضًا أن التفاوض من موقع قوة إقليمية صامدة يمنحها مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية. لذلك، فإن التلويح بالرد، ورفع الجاهزية الدفاعية، وإظهار القدرة على الإيذاء، لا يتناقض مع السعي إلى مفاوضات، بل يُستخدم لتحسين شروطها. إيران لا تبحث عن حرب، لكنها لا تريد أن تدخل أي مسار تفاوضي وهي مكسورة الإرادة أو محاصرة الخيارات.
هنا يظهر التناقض الصارخ بين المنطق الإسرائيلي المتداول والمنطق الإيراني. في الطرح الإسرائيلي، تُصوَّر الحرب كغاية بحد ذاتها، أو كأداة لتغيير النظام في طهران، بينما ترى إيران أن الحرب فشل سياسي، وأن إدارة الوقت، والتوتر، وحافة الهاوية، جزء من معركتها الأوسع للبقاء لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاهله. هذا التناقض يجعل من الحرب خيارًا إسرائيليًا بالدرجة الأولى، لا خيارًا إيرانيًا.
أما الدول العربية، وخصوصًا دول الخليج، فموقفها أوضح بكثير مما يُصوَّر أحيانًا. هذه الدول لا مصلحة لها في الحرب، لا سياسيًا ولا اقتصاديًا ولا أمنيًا. أي مواجهة واسعة مع إيران ستُشعل المنطقة، وستهدد طرق الطاقة، وستضع العواصم الخليجية في مرمى ردود مباشرة أو غير مباشرة. لذلك، فإن الميل الخليجي الواضح هو نحو التهدئة، والوساطة، وفتح قنوات التفاوض، حتى وإن جرى ذلك بهدوء بعيدًا عن الأضواء.
الدول الخليجية لا تنطلق من تعاطف مع إيران، ولا من تطابق في المشاريع أو الرؤى، بل من حسابات واقعية باردة: الاستقرار شرط للتنمية، والحرب قادرة على هدم ما بُني خلال سنوات قليلة. من هنا يمكن فهم الحضور النشط لعُمان وقطر وغيرهما في مسارات الوساطة، ولماذا يُفضَّل خليجيًا أن تكون أي تسوية مع إيران سياسية لا عسكرية. في الحساب الخليجي، الحرب ليست حلًا، بل مخاطرة وجودية.
وعندما نوسّع الدائرة أكثر، وننظر إلى العالم العربي ككل، تصبح الصورة أكثر حساسية. العالم العربي، المنهك أصلًا بالحروب والانقسامات، لا يملك ترف حرب إقليمية كبرى جديدة. أي صدام شامل مع إيران سينعكس اضطرابًا إضافيًا في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وسيعيد فتح جبهات لم تُغلق أصلًا. والأسوأ من ذلك أن حربًا كهذه ستُدار مرة أخرى فوق الجغرافيا العربية، وبأثمان عربية، من دون أن يكون للعرب قرار فعلي في إشعالها أو إيقافها.
أما العالم الإسلامي الأوسع، فمصلحته تتجاوز الحسابات القومية الضيقة. حرب أميركية–إيرانية ستُقدَّم، إعلاميًا وسياسيًا، على أنها صراع حضاري أو ديني، حتى لو لم تكن كذلك في جوهرها. هذا النوع من الحروب يُغذّي التطرف، ويعمّق الاستقطاب، ويمنح قوى التشدد ذريعة جديدة لتجنيد الغضب واليأس. لذلك، فإن مصلحة العالم الإسلامي، شعوبًا ودولًا، هي في منع الحرب لا في تبريرها.
في هذا المشهد المعقّد، يبرز الدور الأميركي بوصفه العامل الحاسم. إدارة الرئيس دونالد ترامب تستخدم لغة التهديد القصوى، وتحريك القوة، واستعراض “الأرمادا”، كأدوات ضغط سياسية قبل أن تكون قرارًا عسكريًا نهائيًا. ترامب، المعروف بمنطق الصفقات، يدرك أن الحرب مكلفة، لكنه يدرك أيضًا أن التهديد بالحرب أداة تفاوض فعّالة. السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان يريد الحرب، بل ما إذا كان قادرًا على ضبط اندفاع حلفائه، وعلى رأسهم إسرائيل، نحو إشعالها.
ضمن هذا السياق، ترى القيادة الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، في هذه اللحظة فرصة استثنائية. الضغوط الداخلية، والأزمات السياسية، والمأزق المستمر في غزة، كلها عوامل تدفع باتجاه البحث عن معركة خارجية تعيد خلط الأوراق. الحرب على إيران، في هذا الإطار، ليست خيارًا أمنيًا فقط، بل مخرجًا سياسيًا من أزمات داخلية متراكمة. وهذا ما يجعل الحذر واجبًا، لأن الحروب التي تُخاض للهروب من الأزمات نادرًا ما تنتهي بنتائج يمكن السيطرة عليها.
من هنا، فإن قراءة الخطاب الإسرائيلي المتداول الذي يدعو إلى الاغتيالات، أو إلى الحسم العسكري السريع، أو إلى تحويل المناورات إلى حرب، يجب أن تتم في سياقها الحقيقي: بوصفها تعبيرًا عن مصلحة إسرائيلية صرفة، لا عن مصلحة إقليمية أو دولية عامة. وهذه المصلحة، بطبيعتها، تتناقض مع مصالح إيران، ومع مصالح الخليج، ومع مصالح العالم العربي والإسلامي.
الخلاصة لا تحتمل الرمادية:
إسرائيل ترى في الحرب فرصة.
إيران ترى في الحرب خطرًا وتسعى لتفاديها بشروطها.
دول الخليج ترى في الحرب كارثة يجب منعها.
العالم العربي والإسلامي يرى في الحرب عبئًا جديدًا لا يحتمله.
بين هذه المصالح المتضاربة، يصبح السؤال الحقيقي ليس متى تبدأ الحرب، بل من يملك الشجاعة السياسية لمنعها. لأن الحرب، إن وقعت، لن تكون نتيجة حتمية لصراع إقليمي، بل نتيجة فشل سياسي في كبح اندفاع مشروع يرى في النار وسيلة للهروب من أزماته الداخلية. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح منع الحرب فعل شجاعة لا ضعفًا، لأن من يدفع ثمنها في النهاية ليس من يصوغ الخطاب أو يلوّح بالأساطيل، بل الشعوب التي تعبت من أن تكون ساحة لتصفية الحسابات.
