أخبار

صراع العقول والمصانع وتشكيل النظام العالمي

صراع العقول والمصانع وتشكيل النظام العالمي


جو 24 :

 

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُخاض بالدبابات فقط، ولا تُحسم بالسيطرة على الأرض، بل أصبحت تُدار في المصانع، والمختبرات، وسلاسل التوريد، وشرائح السيليكون الدقيقة التي لا تُرى بالعين المجردة. في هذا السياق، تبرز الحرب الاقتصادية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين بوصفها الشكل الأحدث لـحرب باردة جديدة، أكثر تعقيدًا وأقل صخبًا، لكنها لا تقل خطورة عن سابقاتها.

لعقود طويلة، شكّلت العلاقة الأمريكية–الصينية نموذجًا فريدًا من التعايش البراغماتي. فقد استفادت الشركات الأمريكية من اليد العاملة الصينية الرخيصة، بينما استفادت الصين من نقل التكنولوجيا وتدفق الاستثمارات، غير أن هذا النموذج بدأ يتآكل تدريجيًا مع تسارع صعود الصين وتحولها من شريك اقتصادي إلى منافس استراتيجي، يطمح إلى موقع متقدم في هرم القوة العالمية.

بدأ هذا الصراع في ظاهره تجاريًا، تمثّل في الرسوم الجمركية والعجز التجاري والاتهامات بالممارسات غير العادلة. لكن سرعان ما تبيّن أن المسألة أعمق من أرقام الميزان التجاري. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى الصين كمنافس اقتصادي فحسب، بل كقوة صاعدة تهدد موقعها التاريخي بوصفها القائد التكنولوجي والصناعي للعالم. في المقابل، ترى الصين في الضغوط الأمريكية محاولة ممنهجة لإعاقة ما تصفه بـ “نهضتها الكبرى”، ومنعها من الانتقال من موقع “مصنع العالم” إلى “عقل العالم”.

في قلب هذه المواجهة تقف التكنولوجيا المتقدمة: الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والحوسبة الكمية، وشبكات الجيل الخامس، والطاقة النظيفة. لم تعد هذه القطاعات أدوات تنمية فحسب، بل تحولت إلى أدوات سيادة ونفوذ. فالتحكم في التكنولوجيا يعني عمليًا التحكم في ملامح المستقبلين العسكري والاقتصادي معًا. من هذا المنطلق، لم تكن القيود الأمريكية على التعاون التكنولوجي قرارات اقتصادية بحتة، بل خيارات أمنية استراتيجية. وفي المقابل، اتجهت بكين إلى ترسيخ سياسات “الاكتفاء الذاتي التكنولوجي”، وضخ استثمارات ضخمة لبناء منظومة صناعية مستقلة، إدراكًا منها أن الاعتماد على الخصم في زمن الصراع يمثل نقطة ضعف قاتلة.

لم يعد الاقتصاد، في هذا السياق، أداة للتقارب، بل تحول إلى وسيلة ضغط وعقاب. فقد كشفت الحرب التجارية بين البلدين عن تحول عميق في الفلسفة السياسية الأمريكية؛ إذ لم تعد السوق الحرة قيمة مقدسة حين تتعارض مع اعتبارات الأمن القومي. وفي هذه الحرب الباردة الجديدة، أصبحت سلاسل التوريد العالمية بمثابة خطوط الجبهة، حيث يعكس نقل المصانع من الصين إلى دول أخرى، وتنويع مصادر المواد الخام، وإعادة توطين الصناعات الاستراتيجية داخل الولايات المتحدة، تحولاً للعولمة من مشروع تعاون دولي إلى ساحة تنافس جيوسياسي، يتجه فيها العالم نحو تكتلات اقتصادية–تكنولوجية متنافسة، لكل منها معاييره وأنظمته وقيمه.

ولا تجري الحرب الأمريكية–الصينية في فراغ، بل تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي بأكمله. فالعالم يتجه تدريجيًا نحو عولمة مجزأة، تقوم على تكتلات متنافسة بدلًا من سوق عالمية واحدة. لكل تكتل منظومته التكنولوجية، وسلاسله الإنتاجية، وحتى روايته الخاصة عن النظام الدولي. كما يعمّق هذا الصراع حالة انعدام الثقة بين القوى الكبرى، ويقلّص مساحة الحلول الجماعية للتحديات العالمية، من تغيّر المناخ إلى الأوبئة، حيث تصبح كل مبادرة مشوبة بحسابات جيوسياسية معقّدة.

إن الحرب الأمريكية–الصينية ليست مجرد صراع بين دولتين، بل هي صراع على من يضع قواعد العالم القادم. وهي حرب لا تنتهي بتوقيع اتفاق سلام، بل مواجهة طويلة النفس، تستنزف الموارد، وتعيد تشكيل الاقتصاد العالمي ببطء ولكن بعمق. وفي خضم هذا الاستقطاب، تجد الدول النامية نفسها عالقة بين المعسكرين، مجبرة على الاختيار أو الموازنة، في حين يدفع المستهلك العالمي ثمنًا متزايدًا نتيجة تفكك سلاسل الإنتاج وارتفاع كلفة التكنولوجيا.

الحرب الاقتصادية والتكنولوجية بين واشنطن وبكين ليست فصلًا عابرًا في العلاقات الدولية، بل مؤشر على نهاية مرحلة وبداية أخرى. نحن أمام نظام عالمي أقل تعاونًا، وأكثر تنافسًا، وربما أكثر هشاشة. قد لا نشهد حربًا عالمية تقليدية، لكننا نعيش بالفعل صراعًا طويل الأمد على النفوذ والهيمنة، تُستخدم فيه الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية بدل الجيوش. حرب باردة جديدة بملامح أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا، حيث لا يُقاس النصر بعدد الأراضي المحتلة، بل بعدد العقول المبدعة، والمصانع المتقدمة، والقدرة على صياغة مستقبل العالم، فالسؤال هنا من سيحدد معايير التكنولوجيا ويمتلك مفاتيح الثورة الصناعية القادمة؟



Source link

السابق
“بلومبرغ”: المضاربون يراهنون بمبالغ قياسية على انهيار الدولار
التالي
جو 24 : من المؤشر إلى المنظومة: الابتكار حين يُدار وطنياً