
#التعليم في #الأردن.. #استثمار في #المستقبل أم #تأجيل_للأزمات؟
#محمد_عاطف_خمايسه
حين نفتح ملف التعليم في الأردن، لا ينبع النقد من رغبة في التشكيك، بل من حرصٍ وطني على قطاع لا يملك ترف الخطأ؛ فالتعليم هو الركيزة الصلبة لأي نهضة، وأي تصدع في جدرانه سيهز أركان المجتمع والاقتصاد حتماً.
ومع ذلك، يواجه هذا القطاع اليوم تحديات متراكمة، لعل أبرزها غياب الرؤى الاستراتيجية طويلة الأمد، والفجوة المتسعة بين مخرجات الأكاديميا ومتطلبات سوق العمل، ناهيك عن التشبث بأساليب التلقين العتيقة التي تقتل روح التحليل لصالح الذاكرة الصماء، حيث يُختزل مصير الطالب في امتحان واحد، وتغيب المشاريع التي تصقل شخصيته للحياة العملية.
وفي قلب هذه الدوامة، يبرز واقع المعلم -بوصلة العملية التعليمية- الذي يجد نفسه أمام صفوف مكتظة وأعباء إدارية منهكة، مما يحوله من مربٍ وملهم إلى مجرد “منفذ” لمنهاج متخم يلهث لإنهاء صفحاته دون الالتفات لعمق الأثر، لينتج عن ذلك طالب يخرج من نفق المراحل المدرسية مفتقراً لمهارات التفكير النقدي والتواصل، ويصطدم بواقع مهني يطلب ما لم يزرعه التعليم فيه.
ورغم قتامة هذا المشهد، لا يمكن إغفال بريق الأمل الذي قدمته الجامعات الأردنية؛ فقد استطاعت مؤسساتنا الأكاديمية -بمواردها الشحيحة- الحفاظ على سوية تعليمية مكنتها من تخريج كفاءات مرموقة في الطب والهندسة والتكنولوجيا، مما يثبت أن لدينا “قاعدة ذهبية” يمكن البناء عليها. لكن المعضلة تكمن في أن المبادرات التطويرية والاتفاقيات مع القطاع الخاص ظلت حبيسة اجتهادات فردية لبعض الجامعات، ولم تتحول إلى نهج وطني شامل يحقق التكامل المفقود بين التعليم المدرسي والجامعي.
إن إصلاح التعليم في الأردن لا يتحقق بالخطابات الإنشائية، بل بقرارات جريئة تزاوج بين كشف الخلل واستثمار القوة؛ فجامعاتنا ليست عبئاً بل هي رصيد وطني ثري يجب نقل خبراته إلى التعليم الأساسي. وعلى صناع القرار أن يدركوا أن الاستثمار الحقيقي لا يكمن في تشييد المباني، بل في المعلم المؤهل، والمنهاج المرن، والطالب المنتج، فمستقبل الأردن يبدأ من خلف مقعد الدراسة، وكل ثانية تأخير في الإصلاح هي رهان خاسر بمستقبل لم يعد يرحم المنتظرين.

