كتب وائل منسي –
تتبلور في واشنطن رؤية استراتيجية جديدة تُعيد طرح سؤال كان يُعدّ حتى وقت قريب من المحرّمات: هل ما زال الدور الأمريكي العالمي، بصيغته التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، ضرورياً ومجدياً؟ يتجلى هذا السؤال بأوضح صوره في الجدل المتصاعد حول حلف شمال الأطلسي والانتشار العسكري الأمريكي الواسع، حيث لم تعد المسألة دفاعاً عن “قيم مشتركة”، بل حساباً بارداً للتكاليف والمكاسب في عالم تغيّرت خرائطه ومخاطره.
في هذا المنطق الجديد، يُعاد توصيف الناتو لا كتحالف متكافئ، بل كعبء تاريخي ورثته الولايات المتحدة من زمن انتهت شروطه.
فالحلف أُنشئ لمواجهة الاتحاد السوفيتي، ذلك الخصم الأيديولوجي والعسكري الذي لم يعد موجوداً.
أما روسيا اليوم، رغم عدوانيتها في أوكرانيا، فتُقدَّم كقوة إقليمية مأزومة تعجز عن حسم معركة على تخومها، لا كندٍّ استراتيجي يهدد الوجود الأمريكي، ومع زوال الخطر الوجودي، برز خلل بنيوي في الشراكة: أوروبا، المحمية بالمظلّة الأمريكية لعقود، أهملت بناء قدراتها الذاتية، فتآكلت جيوشها وضعفت صناعاتها الدفاعية، وتحوّل الالتزام بنسبة 2٪ من الناتج المحلي للإنفاق الدفاعي إلى استثناء لا قاعدة.
من هنا تنبثق الخلاصة الصادمة: إذا كان التهديد قد تقلّص، والحلفاء لم يتحملوا مسؤولياتهم، فما مبرر استمرار الولايات المتحدة في دفع الفاتورة الأكبر، وإبقاء عشرات الآلاف من جنودها في قواعد أوروبية دائمة؟ الدعوة ليست إلى تفكيك فوري، بل إلى إعادة تفاوض قاسية على “الصفقة” نفسها، عنوانها تمكين أوروبا من الدفاع عن نفسها، وانسحاب أمريكي تدريجي من دور الراعي الدائم.
ولا يتوقف هذا التفكير عند حدود الأطلسي، بل يمتد ليطال شبكة القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في العالم، وهي منظومة صُممت لإدارة صراع عالمي بين قطبين لم يعد قائماً.
في عالم ما بعد الحرب الباردة، تغيرت طبيعة التهديدات: التنظيمات الإرهابية، والحروب غير المتماثلة، وصراعات الوكالة المحدودة، لم تعد تتطلب وجوداً أرضياً كثيفاً يعرض الجنود للخطر، بقدر ما تتطلب تفوقاً تكنولوجياً وضربات دقيقة من بُعد. في هذا السياق، يُطرح السؤال بحدّة: لماذا تُبقي واشنطن قواتها في مناطق ساخنة كالعراق أو سوريا، بينما تستطيع إدارة الصراع بتكلفة أقل وأدوات أكثر أماناً؟
في العمق، لا يتعلق الأمر بتقشف عسكري فحسب، بل بإعادة هندسة شاملة لمفهوم القوة.
الاتجاه السائد يدفع نحو تقليص الجيوش التقليدية المنتشرة، والاحتفاظ بقوة أصغر وأكثر مرونة وتقدماً تقنياً.
ويتقاطع هذا التوجه مع تحالف داخلي جديد بين دوائر القرار السياسي الصاعدة و”أباطرة التكنولوجيا”، الذين باتوا يشكلون ركيزة أساسية في هذا التحول.
السياسة هنا تبحث عن حلفاء خارج المؤسسة التقليدية البنتاغون والدبلوماسية الكلاسيكية، بينما ترى شركات التكنولوجيا في هذه القيادة مظلة تحمي مصالحها من موجات التنظيم والتقييد التي لوّحت بها إدارات سابقة.
ولم يكن حضور كبار رجال التكنولوجيا في الصفوف الأمامية لمناسبات رسمية عليا سوى إشارة رمزية على ولادة هذا التحالف غير المسبوق.
نحن، إذن، أمام لحظة مفصلية تعيد تعريف دور الولايات المتحدة في العالم، بمزيج من نقمة شعبوية على “الاستنزاف الخارجي”، وقراءة واقعية لتحولات القوة، ورغبة في كسر البنى القديمة، يضع النظام الدولي أمام اختبار تاريخي.
فإذا تراجعت القوة التي قامت بدور الضامن الأخير للاستقرار العالمي عن التزاماتها التقليدية، وأعادت تموضعها وأولوياتها، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان العالم سيتغير، بل أي عالم سيخرج من رحم هذا التحول، ومن سيدفع ثمن الفراغ الذي قد يخلفه.
