أخبار

لماذا نحتاج إصلاحًا تدريجيًا ؟ #عاجل

لماذا نحتاج إصلاحًا تدريجيًا ؟ #عاجل


جو 24 :

كتب – فراس عوض

منذ أكثر من عقد، والإدارة المحلية في الأردن تُقدَّم بوصفها عنوانًا للإصلاح، ورافعة للتنمية، وتجسيدًا لمبدأ اللامركزية الذي أكدت عليه الإرادة الملكية مرارًا، من لجنة الأجندة الوطنية عام 2005، وصولًا إلى لجنة التحديث السياسي عام 2022. غير أن التجربة العملية كشفت، بوضوح لا لبس فيه، أن الفجوة لم تكن في النوايا ولا في العناوين، بل في بنية القانون نفسه، وفي طريقة تصميم الصلاحيات، والنظام الانتخابي، والعلاقة المختلّة بين المركز والمجالس المنتخبة.

الإدارة المحلية كما نعيشها اليوم ليست حكمًا محليًا فعليًا، بل إدارة مُفوَّضة جزئيًا، بلا سيادة قرار، ولا استقلال مالي حقيقي، ولا أدوات رقابية فاعلة. مجالس منتخبة تُحاسَب على نتائج لا تملك مفاتيحها، وتُطالَب بالتنمية وهي محرومة من أدوات المال والتخطيط والتنفيذ، فيما تبقى السلطة الفعلية موزعة بين وزارات مركزية ومحافظين ومديرين تنفيذيين، في تداخل مرجعيات يبدّد المسؤولية ويضعف الأداء ويُفقد المواطن الثقة.

من هنا تبرز أهمية اللقاء الوطني الذي نظّمه حزب العمال، ليس بوصفه حدثًا حزبيًا، بل كمنصّة تشاركية جمعت رؤساء بلديات، وأعضاء مجالس محافظات، ونوابًا، وخبراء، وقيادات سياسية، وإعلامًا، في نقاش صريح حول إخفاقات التجربة، وحول مخاطر الذهاب إلى تعديلات تقزّم الصلاحيات، أو تُفرغ اللامركزية من مضمونها عبر التعيين، أو حلّ المجالس، أو تأجيل الانتخابات دون أفق زمني واضح. ما طُرح في هذا اللقاء لم يكن احتجاجًا، بل تشخيصًا هادئًا، ورؤية إصلاحية متدرجة، تحترم الدولة، وتحمي الديمقراطية، وتضع مصلحة الناس في صدارة الأولويات.

المشكلة الجوهرية في قانون الإدارة المحلية وقانون اللامركزية ليست في وجود المجالس، بل في فلسفة تصميمها. فالنظام الانتخابي القائم على دوائر ضيقة، وتمثيل اجتماعي أكثر منه تنموي، أفرز مجالس يغلب عليها الحضور الأهلي على حساب الكفاءة الإدارية.

 ومع ذلك، فإن الحل ليس في إلغاء الانتخابات أو الالتفاف عليها، بل في إصلاح النظام الانتخابي نفسه ليخدم الوظيفة التنموية للمجالس، لا في إفراغها من مضمونها. التجارب المقارنة تعلّمنا أن البناء المتدرج أكثر أمانًا من القفزات غير المحسوبة.

في المغرب، على سبيل المثال، لم تُبنَ الجهوية المتقدمة دفعة واحدة، بل عبر نقل تدريجي للصلاحيات، وربط التمويل بالأداء، وبناء قدرات المجالس، وتعزيز دور المنتخبين في التخطيط والتنفيذ ضمن إطار وطني منضبط. وفي تونس، ورغم التعثرات، كان الدرس الأهم هو أن الانتخابات المحلية وحدها لا تكفي إن لم تُرفق بصلاحيات حقيقية، واستقلال مالي، وتكوين إداري مستمر للأعضاء.

من هذا المنطلق، فإن الإصلاح المطلوب في الأردن لا يحتاج شعارات جديدة، بل يحتاج إعادة ضبط دقيقة لثلاثة مسارات متلازمة:

 أولها إعادة تعريف اللامركزية بوصفها نقلًا فعليًا للسلطة والمسؤولية، لا مجرد توزيع مهام. ثانيها إصلاح النظام الانتخابي المحلي ليصبح قائمًا على التمثيل العادل والكفاءة، لا على الكوتات العددية التي تحوّلت، مع الزمن، إلى ممارسة شكلية تكرّس الكم على حساب النوع. التجارب الدولية المتقدمة تجاوزت منطق الكوتات الجامدة، وذهبت إلى تمكين حقيقي عبر التدريب، وبناء القدرات، وإزالة العوائق البنيوية أمام المشاركة، بدل فرض تمثيل رقمي لا يضمن أثرًا.

أما المسار الثالث، فهو الاستثمار الجاد في الإنسان المحلي: تدريب أعضاء المجالس، تطوير أدواتهم الرقابية، تمكينهم من قراءة الموازنات، وإشراكهم الحقيقي في التخطيط، بدل اختزال الإصلاح في نسب تمثيل لا تصنع تنمية ولا تحسّن خدمات. العدالة في التمثيل لا تتحقق بالأرقام وحدها، بل بقدرة المنتخب على الإنجاز، وبمساءلته أمام الناس على نتائج ملموسة.

الدور الذي قام به حزب العمال في هذا السياق يستحق التقدير، لأنه أعاد النقاش إلى مساره الصحيح: نقاش القانون قبل إقراره، لا بعد فرضه، ونقاش الآليات لا الأشخاص، ونقاش المستقبل لا إدارة الأزمة. الدعوة إلى إجراء الانتخابات في أسرع وقت، مقرونة بتوسيع الصلاحيات، ورفض التعيين، والفصل بين الرقابة والتنفيذ، وتمكين البلديات لتكون وحدات حكم محلي تنموية، كلها مطالب واقعية، قابلة للتنفيذ، إذا توفرت الإرادة السياسية، واستُثمر هذا الزخم الوطني في تشريع حضاري متدرج.

لسنا أمام معركة سياسية، بل أمام لحظة مفصلية في مسار الدولة. إما أن نُعيد بناء الإدارة المحلية كرافعة تنمية حقيقية، أو نُكرّس نموذجًا شكليًا يستهلك الوقت والموارد ويُعمّق فجوة الثقة. الإصلاح التدريجي، المدروس، القائم على الانتخابات، والصلاحيات، وبناء القدرات، هو الطريق الآمن. وكل ما عدا ذلك ليس إصلاحًا، بل تأجيلًا للأزمة.



Source link

السابق
توقعات الطقس والأمطار في المملكة خلال ماتبقى من شهر يناير
التالي
“إعلام عبري”: أرض الصومال الانفصالية تستقبل عناصر المليشيات المسلحة في قطاع غزة