محافظة إربد ليست مدينة هامشية ولا عبئًا على الدولة. نحن نتحدث عن محافظة يقطنها ما اكثر من مليونين نسمة، أي ما يقارب ربع سكان المملكة، وتُعد من أكبر محافظات المملكة وأكثرها ثقلًا بشريًا واقتصاديًا. ورغم ذلك، ما تزال إربد حتى اليوم تُعامل رياضيًا وكأنها خارج الحسابات، وتحديدًا في كرة القدم، اللعبة الشعبية الأولى.
إربد تضم ثلاثة أندية عريقة في دوري المحترفين منذ عشرات السنين، وتملك قاعدة جماهيرية واسعة تُعد من الأكثر التزامًا ووعيًا في الأردن. ومع ذلك، يُحرم هذا الجمهور من متابعة أنديته على أرض محافظته، لا بسبب ضعف الإقبال أو غياب الشغف، بل بسبب عدم جاهزية المنشآت الرياضية، وعلى رأسها استاد الحسن.
القضية لم تعد رأيًا أو انطباعًا، بل واقعة موثقة رسميًا.
فقد أرسل الاتحاد الآسيوي لكرة القدم خطابًا رسميًا يؤكد فيه عدم جاهزية استاد الحسن، بعد فشله في تلبية الشروط الأساسية، وفي مقدمتها عدم جاهزية أرضية الملعب. هذا الخطاب وحده كفيل بإسقاط أي محاولة للتبرير أو التخفيف من حجم التقصير.
وفي هذا السياق، أوضحت إدارة نادي الحسين إربد في بيان صحفي رسمي سبب عدم اعتماد استاد الحسن كملعب بيتي للفريق في بطولة دوري أبطال آسيا 2، مؤكدة أن الرفض جاء نتيجة:
•عدم جاهزية أرضية الملعب
•فشل نظام الإنارة الاحتياطي في تلبية متطلبات الاتحاد الآسيوي
•عدم جاهزية بعض المرافق
•تلف كراسي المدرجات وعدم وجود ترقيم
وبيّن النادي أنه تقدّم بطلب رسمي لاعتماد الاستاد، بعد الحصول على موافقة إدارة المدينة الرياضية، كما تمّت مخاطبة الاتحاد الأردني لكرة القدم بكافة المتطلبات الفنية وفق شروط الاتحاد الآسيوي.
ورغم ذلك، ورغم أن النادي نفسه أنفق ما يقارب 10 آلاف دينار من موازنته الخاصة لتحسين بعض الجوانب، من تركيب مولدات كهربائية، وأعمال دهان وتنظيف، إلا أن الملعب فشل في اجتياز زيارات بعثات الاتحاد الآسيوي المتكررة.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة:
ناديٌ يمثل الأردن قاريًا، يُجبر على معالجة إهمال ليس من مسؤوليته، ويدفع من ماله الخاص لتعويض غياب الجهات المعنية، ثم يُحرم في النهاية من اللعب على أرضه وبين جماهيره.
فمن يُحاسَب؟ النادي؟ الجمهور؟ أم المحافظة بأكملها؟
الأمر لا يتوقف عند خسارة ميزة الأرض والجمهور، بل يتعداه إلى خسائر اقتصادية مباشرة تُقدّر بملايين الدنانير سنويًا، نتيجة حرمان إربد من استضافة مباريات وبطولات إقليمية وقارية، وما يرافقها من تنشيط لقطاعات الفنادق، والنقل، والمطاعم، والتجارة، وفرص العمل.
والسؤال الذي لم يعد يقبل التأجيل:
كيف يُعقل أن نطمح يومًا إلى مواقع قيادية في كرة القدم العالمية، بل وننافس على رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم، بينما نعجز عن تأهيل ملعب واحد في محافظة بهذا الحجم والوزن؟
الحلول واضحة، لكنها تحتاج إلى قرار لا إلى شعارات:
1.تخصيص موازنة فورية وملزمة لإعادة تأهيل استاد الحسن وفق معايير الاتحاد الآسيوي والدولي، بجدول زمني لا يتجاوز 18 شهرًا.
2.تحميل الجهات المسؤولة كامل المسؤولية الإدارية والمالية عن هذا الإخفاق، بدل ترك الأندية تدفع الثمن.
3.فتح باب الشراكة مع القطاع الخاص لتطوير المنشآت الرياضية والمرافق المحيطة بها.
4.إدراج إربد رسميًا ضمن خريطة استضافة البطولات المحلية والإقليمية، وإنهاء مركزية الاستثمار الرياضي.
5.تشكيل لجنة رقابية مستقلة تعلن نتائجها للرأي العام، لأن ما حدث لم يعد خطأً عابرًا بل نمط إهمال متكرر.
إن ما تتعرض له إربد اليوم ليس مجرد تقصير فني، بل إقصاء تنموي ورياضي واضح.
وإنصافها لم يعد مطلبًا جماهيريًا أو ناديًا، بل اختبارًا حقيقيًا لعدالة الدولة في توزيع الاهتمام والاستثمار.
فإما أن تُعامل إربد بما يليق بثقلها، أو أن نعترف صراحة بأن هناك محافظات تُترك خارج الحسابات… وتُعاقَب بلا ذنب.
