
#دماء_الشهداء …!
بقلم م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران
ربما أصاب الملل كثيرون بيننا من سيرة الشهداء والدماء والحروب والقتال، وأصبحوا يتوقون ولو إلى لحظة سلام وسكينة واحدة يعيشونها بهدوء في حياتهم، لكننا للأمانة وبعد غياب اضطراري للقلم لشهرين بسبب ظروف قاهرة لا نجد أزكى رائحة ولا أعلى قدراً وقيمة من بداية مقالات العام الميلادي الجديد بالحديث في شأن هؤلاء، من يقدمون دمائهم لأجل أن تعيش أجيال بعدهم بعزة وكرامة بإذن الله، ذلك لأن قدر فلسطين وأهلها أن يبقوا في هذه الدوامة ما شاء الله للاحتلال أن يبقى في أرضها، وكما أنه قدرنا في الأردن شعباً وقيادة أن نبقى نتنفس قضية فلسطين وهمومها ما حيينا وهي قضية من نشاركهم النسب والأصول والنفس الذي يعيش معنا ما بقي في الروح حياة، تماماً كما كنا مع كل قضايا جيراننا في سوريا والعراق ولبنان وكل القضايا العربية والإسلامية من حولنا، وقد كنا قبل حوالي الشهر شاهدنا احتفالات الشعب السوري بانتصار ثورته على الظلم والقهر الذي كان يعانيه مع النظام السابق أعواماً طوال، ولطالما شاهدنا وسمعنا وقرأنا عن ممارسات لا يمكن حتى للعقل البشري تخيلها في محاولة قمع ثورة شعب انتفض طلباً لحريته وكرامته، وقد رأينا في الاحتفالات كيف اختلطت دموع أمهات الشهداء وذويهم بابتسامة فرح لطالما غابت عن وجوههم أو حرموا منها سنوات طويلة، وكنا ننظر للمشاهد وكأننا نرى فيها وجوه الشهداء وهي تبتسم سعيدة بنيل الشعب السوري حريته بعد كل ما عاناه و كابده من عناء وألم ووجع كل هذه السنوات وكأنه يقول لشعب سوريا الحر لا عليكم فصحيح أن الثمن كان غالياً جداً ولكن سوريا وشعبها الحر الكريم يستحق، وكأن قطرات دماء الشهداء تزين السماء السورية اليوم برسم كلمة (حرية) عليها وهي تتنفس الصعداء أخيراً، نعم نتفق بأن سوريا لم تستقر تماماً حتى اليوم ومازالت فيها نقاط عالقة في سبيل توحيدها على قلب واحد وأرض واحدة لشعب سوري واحد، ولكن ذلك سيتحقق بكل تأكيد بعون الله ومن بعده بهمة أبطال سوريا الأحرار الذين رددوا منذ أول يوم في ثورتهم “واحد واحد واحد الشعب السوري واحد”، لكنه مخاض ما بعد الثورة المخاض الطبيعي بعد كل ثورة حتى عودة البلاد أجمل مما كانت عليه قريباً بإذن الله تعالى، وسبب الثقة بذلك بعد الله عزوجل هو دماء الشهداء، تلك الدماء الزكية التي توضأت وتطهرت بها سوريا من الظالمين على مدار سنوات طوال فلا بد لها بعد كل ذلك أن تلفظ أي رجس وشائبة ولو بعد حين.
في المقابل أكثر من ثلاثة أشهر مضت على إعلان خطة وقف إطلاق النار في غزة، ومازال القتل والتدمير اليومي مستمراً خلال هذه الأشهر، ولكن كما يقال أصبح “بالفرازة” وبالانتقاء لإبعاد العين الدولية عن جرائم الاحتلال وليأخذ راحته أكثر وأكثر في جعل أهل غزة يعيشون الموت البطيء كل يوم أكثر من سابقه، حتى يصل للحظة لطالما تمناها وانتظرها في تركيع أهل غزة وإعلان استسلامهم الكامل أو تهجيرهم من أرضهم والخلاص من وجودهم، وليس أدل على ذلك من وصول عدد الضحايا منذ بدء الاتفاق إلى اليوم إلى ما يزيد عن 450 شهيد و1200 جريح بحسب الأرقام الرسمية لوزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة!
وحتى مع إعلان الإدارة الأمريكية بدء دخول المرحلة الثانية من اتفاق السلام في غزة لم يتردد رئيس حكومة الاحتلال في وصف الإعلان بأنه ليس أكثر من خطوة “رمزية” لا أكثر، بل وحتى مع إعلان مجلس السلام العالمي والحكومة الوطنية الفلسطينية المستقلة المسؤولة عن حكم غزة بعد الحرب فتح معبر رفح لم تتردد بعض أوساط الاحتلال في التأكيد على أن فتح المعبر سيكون للخروج فقط وليس لعودة أهل غزة إلى ديارهم!
أكثر من عامين ومازال أهل غزة يقف معظمهم كل يوم منتظراً دوره في الشهادة أو تشييع الشهداء من أهلهم وذويهم، ويمر عليهم برد الشتاء وهم يعانون مرارة البرد والجوع والقتل والتشريد ويتطلعون للحظة تشعر فيها قلوبهم بالدفء والسكينة، وبرغم ذلك يصمدون صمود الجبال ليس لأنهم من الحجر أو عديمي الإحساس وإنما لأنهم تشربوا العزة والكرامة والإباء والفداء في شرايين دمهم منذ أول لحظة في حياتهم.
مواكب من آلالاف الشهداء زفتهم غزة ومازالت تزفهم كل لحظة، وهي ترتوي وتتوضأ وتتطهر بدمهم الطاهر كل لحظة، وكل مرة نشاهد فيها هذه الأوجاع والآلام تزيد ثقتنا بالله عزوجل بأن يوماً قادماُ لا محالة سيغسل الله فيه أوجاع أهل غزة وكل أهل فلسطين بقدر ما دفع أحرارهم كل هذا الثمن الغالي، وسيكون الفرح والفرج عظيماً بقدر عظمة الثمن الذي دفع لأجله وربما أكثر، ولمن يقرأ التاريخ يرى فيه العجب فكم شعب دفع أكبر الأثمان لحريته وما البوسنة والهرسك عنا ببعيد، وهي التي كنا نصحو وننام على المجازر بحق أهلها وقدمت الآلاف من الشهداء والضحايا في مقابل نيل الحرية والكرامة حتى نالت حريتها رغماً عن أنف العالم بأسره، وغيرها الكثير من الأمثلة من الشعوب الحرة التي دفعت أغلى الأثمان ولم تبخل بها على الأوطان لتصل إلى لحظة تحول فيها الجحيم الذي تعانيه إلى ربوع من الجنان بإذن الله.
سيبقى أهل غزة ومعهم أهل سوريا وكل أحرار عالمنا العربي والإسلامي يتربعون في وسط قلب كل حر في هذا العالم، فما دفعه ويدفعه أهلنا هناك لا يمكن تصور تحمله بأي حال من الأحوال، وسيبقى الدعاء لمن ما زال ينتظر الفرج منهم أن يفرج الله همهم ويقلب وجعهم إلى أمل وفرح وسعادة، تذوب معها كل اللحظات والذكريات الأليمة التي مروا بها وليس ذلك على الله ببعيد، فمهما حاول أنصار الظلم والظالمين الإسراف أكثر وأكثر في طغيانهم ستبقى دماء الشهداء الزكية لعنة تلاحقهم لآخر نفس في حياتهم، وعطراً تفوح رائحته في كل شبر من أراضي بلاد الأحرار، مهما عمل على تدنيسها المحتلين الطارئين الراحلين عنها يوماً قادماً لا محالة بإذن الله.

