#العلاقات_الزوجية – #حب أم #حرب؟!
ميثاق السكن والمودة والرحمة
الحمد لله الذي خلق من كل شيء زوجين وجعل الزواج سنة الله في خلقه وآية من آياته العظمى، والصلاة والسلام على نبي الرحمة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم وسار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين أما بعد:
فإن العلاقة الزوجية في الإسلام تقوم على أسس روحية وأخلاقية سامية، تجعلها علاقة تكامل وانسجام ووئام، لا ساحة صراع ونزاع وخصام. يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[الروم: 21]. فهذه الآية العظيمة تحدد الغايات السامية للزواج وتشمل على سبيل المثال لا الحصر:
السكن النفسي والعاطفي: توفير الأمان والراحة النفسية والطمأنينة والاستقرار للشريكين بعيداً عن القلق والتوتر، وهذا يتم عبر العلاقة الزوجية التي هي ميثاق بين روحين.
المودة (الحب والميل): المحبة الظاهرة والمتبادلة التي تتجسد في الاهتمام والقرب، وهي أساس العلاقة العاطفية بين الزوجين.
الرحمة (العطف والرفق العملي): تتجلى في الصبر والتجاوز عند الضعف والتقصير، وتظهر مع مرور الزمن والمرض، وهي إحسان عملي يربط بين الشريكين.
بناء أسرة صالحة وتربية الأجيال: الزواج ليس فقط إشباعاً للشهوة بل هو وسيلة لبناء نواة صالحة للمجتمع.
تحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي: الزواج يعزز الثقة بالنفس ويساهم في تحقيق التوازن الشخصي عبر الدعم المتبادل.
وسيلة وطريق للجنة: الزواج الصحيح يمثل طريقاً لتحقيق السعادة الأبدية والفوز بالجنة.
أولاً: الزواج ليس تعايشاً بل تكامل وتعاون
الزواج في الإسلام ميثاق غليظ (كما وصفه القرآن) وليس مجرد ترتيب اجتماعي. وقد بين النبي ﷺ المعنى العملي لهذا الميثاق بقوله: «اسْتَوْصُوا بالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» (رواه الترمذي وصححه الألباني). فكلمة “عوان” تعني الأسيرات، أي كأنهن في رعايتكم وحفظكم، مما يوجب الرفق والعدل.
ثانياً: بيوت الأزواج ينبغي أن تكون جنات أمان
جعل النبي ﷺ معيار الخيرية مرتبطاً بحسن المعاشرة الزوجية: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني). فالأفضلية هنا ليست في الصيام والصلاة فقط، بل في حسن الخلق داخل البيت. وقد حذر النبي ﷺ من إيذاء الزوجة، حتى في أشد لحظات الغضب، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: «اتَّقوا اللهَ في النساءِ؛ فإنَّكم أخذتُموهنَّ بأمانةِ الله، واستحلَلْتُم فروجَهنَّ بكلمةِ الله» (رواه مسلم). لقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خيرَ النَّاسِ مع نِسائه وأهْلِه، وقد أَوصى المسلمينَ بحُسنِ مُعاملةِ الزَّوجاتِ. وفي هذا الحديثِ وصيةٌ عظيمةٌ بذلك، فيها يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: “اتَّقوا اللهَ في النِّساءِ”، والمعنى: خافوا مِن اللهِ، وأدُّوا حقَّ النِّساءِ الزَّوجاتِ؛ بإنصافِهنَّ ومُراعاةِ حقِّهنَّ؛ “فإنَّكم أخَذْتُموهنَّ بأمانةِ اللهِ”، أي: بعَهْدِه، “واستَحْلَلْتُم فُروجَهنَّ بكلمةِ اللهِ”، يعني بالكلمةِ نفْسَ العقدِ الَّذي نشَأَ مِن كلمتَيْ إيجابٍ وقَبولٍ مِن الوليِّ والزَّوجِ. فهل يليق بهذا العهد وهذه الأمانة أن يتحول البيت إلى ساحة حرب لفظية أو نفسية؟
ثالثاً: الخلافات الطبيعية وحدودها
الخلاف بين الزوجين أمر طبيعي، لكن الإسلام يضبطه بضوابط تحول دون تحوله إلى حرب منهكة:
- يَحرمُ هَجر الزَّوج لزوجته من غير سببٍ مَشروعٍ، وذلك الحُكم مُشتقٌّ من القّاعدةِ العامَّة التي تُحرِّم هَجر المسلم لأخيهِ بغير سببٍ ومهما كانت صِفتهُ، لقول الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم: (لا تَباغَضُوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ). وتجدر الإشارة إلى أنَّ الأصل في العلاقة الزَّوجية بين الزَّوجين المَعاشرة بالمعروف والإحسان، لقول الله -عز وجل-: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وقوله -تعالى-: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)، وأنَّ الهجر أمرٌ استثنائيٌّ لا يُعبِّر عن أصَل العلاقة، ويُلجأ إليه اضطراراً عند وجود أسبابه ودواعيه.
- النهي عن اللعن والسب: من أخلاق المسلم أن يكون حليما صبورا ليس بفاحش ولا لعان. والبيت أولى بأن يخلو من ذلك. فكيف بمن يسب شريك عمره أو يدعو عليه؟ هذا يناقض قول النبي ﷺ: «ليس المؤمنُ بالطعانِ، ولا اللَّعانِ، ولا الفاحشِ، ولا البَذيءِ» (رواه الترمذي وحسنه الألباني).
- الحوار بالمعروف: أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف حتى في أصعب المواقف، قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
رابعاً: دور الأبناء تجاه علاقة والديهما المتوترة
- البر والإحسان: يظل بر الوالدين والإحسان إليهما واجباً في كل حال، حتى لو كانا يخطئان في حقهما. قال تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15].
- النصح بالحكمة: من البر أن ينصح الأبناء برفق وبدون تدخل مباشر أو إصدار أحكام. يمكن تذكيرهما بفضل الصفح والعفو، وقراءة آيات أو أحاديث عن فضل الإصلاح، كما في قوله تعالى: {وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التغابن: 14].
- عدم تحمل عبئهما: الأبناء ليسوا مسؤولين عن “إصلاح” علاقة لم يصنعوها. عليهم النصح والدعاء، ثم ترك الأمر لله. «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (متفق عليه). نيَّتهم في الإصلاح مطلوبة، والنتائج على الله.
- الحفاظ على السلامة النفسية: من الحكمة أن يحافظ الأبناء على سلامتهم النفسية. قال النبي ﷺ: «لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ» (رواه ابن ماجه). لا يجوز لهم أن يسببوا الضرر لأنفسهم بحمل هموم ليست من مسئوليتهم.
خامساً: حقيقة الاستمرار في الزواج
استمرار الزواج لسنوات طويلة لا يعني بالضرورة أنه يحقق الغاية الشرعية منه (السكن والمودة والرحمة). فاستمراره قد يكون بسبب:
- الالتزام بالعهد: وهو أمر محمود في ذاته.
- الخوف من الفتنة أو الضياع: وهو دافع هام.
- الخوف على سمعة العائلة أو الأبناء: وهو اعتبار اجتماعي.
- الاعتياد والعجز عن التغيير: وهو واقع نفسي.
لكن المثالية التي جاء بها الإسلام هي أن يكون الاستمرار مقروناً بالسعي الدؤوب لتحقيق الرحمة والمودة، وليس مجرد تحمل الوضع المر.
خاتمة وتوصيات عملية:
الزواج في الإسلام علاقة حب مقدسة تهدف إلى السكن النفسي، والمودة القلبية، والرحمة السلوكية. إذا تحول إلى “حرب” دائمة، فهو بحاجة إلى مراجعة وإصلاح، وليس إلى استسلام.
للأبناء (في حالة والدين متشاحنين):
ادعوا لهما: الإكثار من الدعاء بأن يليّن الله قلبيهما، ويؤلف بينهما، ويبدل عداوتهما مودة.
ذكّروهما برفق: اتركا لهما كتيباً أو رسالة فيها آيات وأحاديث عن فضل العفو والصلح.
استعينا بأهل الخبرة والحكمة: من الأقارب المحترمين أو أهل العلم الثقات للوساطة.
أبروهما وأحسنا إليهما منفردين: لعل بركم وحنانكم يلين قلوبهما.
للأزواج (كبار السن أو غيرهم):
تذكروا أن الحياة قصيرة، والموت قريب، فهل تريدون أن تلقوا الله وأنتم متباغضين؟
استحضروا حديث النبي ﷺ: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (رواه مسلم).
اجتهدوا في كلمة طيبة، أو ابتسامة، أو خدمة بسيطة. فالنفوس تتغير بالمعاملة الحسنة.
نسأل الله أن يصلح ذات بيننا، ويؤلف بين قلوبنا، ويجعل بيوتنا عامرة بالمودة والرحمة والسكن.

