كتب د. عدلي قندح
لم تكن العولمة نتاج لحظة تاريخية واحدة، بل مسارًا تراكميًا تشكّل عبر قرون من التفاعل التجاري والاقتصادي بين الأمم، إلا أن صورتها المعاصرة تبلورت بوضوح بعد الحرب العالمية الثانية. ففي ظل نظام دولي جديد قادته الولايات المتحدة، أُعيد تنظيم الاقتصاد العالمي عبر مؤسسات «بريتون وودز»، وتم ترسيخ قواعد تحرير التجارة، وحرية حركة رؤوس الأموال، وربط العملات بالدولار الأميركي. لاحقًا، ومع تأسيس منظمة التجارة العالمية منتصف التسعينيات، دخل العالم مرحلة غير مسبوقة من الانفتاح، بدا معها أن الحدود الاقتصادية في طريقها إلى التلاشي.
الولايات المتحدة كانت المروّج الأول والأكبر للعولمة، ليس فقط عبر قوتها الاقتصادية، بل من خلال نفوذها السياسي والفكري. فقد وجدت في العولمة أداة لتوسيع أسواقها، وتعزيز هيمنة شركاتها متعددة الجنسيات، وتكريس نموذج اقتصاد السوق بوصفه النموذج الأنجع للتنمية. وانضمت أوروبا الغربية إلى هذا التوجه، مدفوعة بإعادة الإعمار، ثم بالتكامل الأوروبي، فيما لعبت المؤسسات الدولية والنخب الأكاديمية دورًا محوريًا في تسويق العولمة باعتبارها طريقًا حتميًا للنمو والرفاه وتقليص الفجوات بين الدول.
تسارعت العولمة بفعل مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الثورة التكنولوجية في النقل والاتصالات، والانخفاض الحاد في تكاليف الشحن، والتقدم الرقمي، إضافة إلى التحولات الجيوسياسية الكبرى وفي مقدمتها انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي عزّز الاعتقاد بانتصار الليبرالية الاقتصادية كنظام عالمي بلا بدائل. كما أسهمت الشركات متعددة الجنسيات في تفكيك سلاسل الإنتاج التقليدية، ونقلها عبر الحدود بحثًا عن اليد العاملة الأرخص والبيئات التنظيمية الأقل كلفة.
غير أن العولمة لم توزّع مكاسبها بعدالة. فقد حققت دول مثل الصين، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وفيتنام، مكاسب هائلة من خلال توظيف الانفتاح التجاري ضمن استراتيجيات صناعية وطنية واضحة، سمحت لها ببناء قدرات إنتاجية وتكنولوجية متقدمة. كما استفادت الاقتصادات المتقدمة من انخفاض أسعار السلع وارتفاع أرباح الشركات. في المقابل، عانت دول كثيرة، خصوصًا في العالم النامي، من تراجع صناعاتها المحلية، وازدياد التبعية، وارتفاع البطالة، واتساع فجوة الدخل. وحتى داخل الدول المتقدمة نفسها، دفعت الطبقة الوسطى الصناعية ثمنًا باهظًا، مع انتقال ملايين الوظائف إلى الخارج، وتآكل الأجور، وازدياد الشعور بعدم الأمان الاقتصادي.
هذه التناقضات كانت كفيلة بإعادة العولمة إلى قفص الاتهام. فقد كشفت الأزمة المالية العالمية عام 2008 هشاشة النظام المالي المعولم، ثم جاءت جائحة كورونا لتفضح خطورة الاعتماد المفرط على سلاسل توريد طويلة ومعقّدة، خصوصًا في القطاعات الحيوية. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، بات واضحًا أن الاقتصاد العالمي لم يعد محكومًا فقط باعتبارات الكفاءة، بل بالأمن والسيادة والقدرة على الصمود.
في هذا السياق، شكّل منتدى دافوس منصة لافتة لإعادة فتح ملف العولمة، لكن هذه المرة بلغة نقدية غير معهودة. فقد برز موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يرى في العولمة صفقة غير متكافئة أضعفت القاعدة الصناعية الأميركية، ووسّعت العجز التجاري، وأفقدت ملايين الأميركيين وظائفهم. هذا الموقف لم يكن معزولًا، بل تلاقى بوضوح مع خطاب وزير التجارة الأميركي، الذي ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن العولمة بصيغتها التقليدية فشلت في خدمة العامل الأميركي، وشجّعت على تصدير الوظائف وسلاسل الإنتاج إلى الخارج، على حساب الاقتصاد الحقيقي. أما وزير الخزانة الأميركي، فرغم لغته الأكثر براغماتية، فإنه يتبنى توجهًا عمليًا يقوم على إعادة هيكلة سلاسل الإمداد، وحماية القطاعات الاستراتيجية، وتقليص الاعتماد على الخصوم الاقتصاديين، حتى لو تعارض ذلك مع قواعد التجارة الحرة التي حكمت النظام العالمي لعقود.
النتيجة كانت بروز سياسات معاكسة للعولمة لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءًا من التيار السائد. فقد عادت الرسوم الجمركية، وتوسّعت برامج دعم الصناعات الوطنية، وبرزت سياسات إعادة توطين الإنتاج، وتشجيع «صنع في الداخل»، وتقييد الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الحساسة. كما ظهر مفهوم «الصداقة الاقتصادية»، الذي يعيد توجيه التجارة والاستثمار نحو دول حليفة سياسيًا، في مقابل تراجع مبدأ الانفتاح الشامل. ولم تعد الأدوات الاقتصادية محايدة، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى وسائل ضغط ونفوذ في صراعات القوى الكبرى.
في المحصلة، لا يبدو أن العولمة في طريقها إلى الزوال، لكنها بالتأكيد لم تعد كما كانت. العالم يدخل مرحلة جديدة تتسم بانتقائية أعلى، وتوازن أدق بين السوق والدولة، وبين الكفاءة والسيادة. وما جرى في دافوس لم يكن حدثًا عابرًا، بل إشارة واضحة إلى أن النموذج الذي حكم الاقتصاد العالمي لعقود بات موضع مراجعة عميقة، وأن العولمة، للمرة الأولى منذ صعودها، تجد نفسها مطالبة بالدفاع عن ذاتها أمام عالم تغيّرت أولوياته وموازين قواه.
