نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” مقالا للمعلق إدوارد لوس تحدث فيه عن تحول الولايات المتحدة في ظل دونالد ترامب نحو الوحشية، قائلا إنه لا يمكن لأي نظام أيديولوجي وصف أفعال الرئيس الأمريكي.
وأشار لوس إلى منطق التاريخ والبرابرة الذين عادة ما يكسرون بوابات القلاع والمدن المنيعة. ولكن الأمر بات معكوسا في الحالة الأمريكية، ففي داخل القلعة، تحرق الجحافل تقاليد أمريكا في القانون والتحضر وضبط النفس، فيما يصرخ دعاة الصالح العام والحقوق المدنية في البرية.
ويؤكد الكاتب أنه إذا قسنا أفعال ترامب بمعايير العصر القديم، فإن حريقه الذي أشعله في الولايات المتحدة لم يقطع سوى ربع المسافة. وكما هو الحال مع الكثير من الأمور الأخرى، من معهد السلام الأمريكي ومركز كينيدي، وقاعة رقص البيت الأبيض المصممة على طراز فرساي وجوائز نوبل التي منحت لغيره، يعيد ترامب صياغة صورة الولايات المتحدة لتكون على صورته ولكي تكون مملكته الخاصة. وبينما تستعد أمريكا للاحتفال بالذكرى 250 لتأسيسها، تنظر الجمهورية إلى جنازتها الخاصة.
ويتساءل الكاتب إن كان ما قاله مبالغة؟ ويجيب أنه منذ نزول ترامب من ذلك السلم المتحرك في عام 2015، وصف الموالون له أعداءه بأنهم يعانون من “متلازمة كراهية ترامب”. وتماشيا مع السمة الأساسية للرئيس، فقد كانوا يسقطون حالتهم النفسية على الآخرين.
ومع ترامب فالاتهام هو اعتراف، فهو يصف خصومه بالفساد وعدم الوطنية والخداع، بل وبأوصاف أشد فظاظة.
أما المدافعون عن ترامب، وهم أكثر عددا من المؤمنين الحقيقيين، فيعملون ليل نهار لتبرير سياساته وجعلها تبدو منطقية. ولكن للأسف، فإن تقلبات ترامب تجعل من المستحيل على من يعتذرون عنه مواكبة ذلك.
ففي يوم يتم تصويره بأنه رجل يريد تقليص دور أمريكا في العالم. وفي اليوم التالي، يصور كقومي متشدد يعمل على تأكيد سيادة بلاده على كل ما تقع عليه عينييه، وغدا، قد يعود إلى الليبرالية. أما اليوم، فهو مؤيد براغماتي للدولة ويحاول قضم أبرز ما في مجالات القطاع الخاص.
ومن ناحية أخرى يبذل البعض جهودا جبارة لتصوير ترامب بأنه نسخة معاصرة من رونالد ريغان، ويستحقون علامة ممتاز على جهودهم. وكما في أسطورة الإمبراطور العاري، يتم تصوير ترامب في أبهى صوره، وللأسف فهو لا يجاري هذه الصورة.
ويقول لوس إن القدر هو من سيحدد مصير ترامب، فقد يفقد في مرحلة ما السيطرة على انتخابات 2028، وقد يدمر النظام الدستوري الأمريكي ويطالب بولاية ثالثة وهو في منتصف الثمانينيات من عمره. وعلى من يستبعدون هذا الاحتمال الأخير أن يتذكروا أن ترامب يتجاوز باستمرار أسوأ التوقعات لما سيفعله.
فالشيء الوحيد الذي منع ترامب من القيام بانقلاب عام 2020، هو إظهار نائبه السابق، مايك بنس نزاهة. وتم اختيار جيه دي فانس، نائب الرئيس الحالي، لمنع تكرار مثل هذا التمرد.
أما البطل الآخر غير المتوقع لعام 2020 فقد كان بيل بار، المدعي العام الذي كان شديد الولاء لترامب حتى طلب منه مصادرة أجهزة التصويت والتحقيق في تزوير الانتخابات، فاستقال بار من منصبه. ويمكن الاعتماد على بام بوندي، خليفة بار، لتنفيذ أي تعليمات من هذا القبيل. وينبغي على المشككين في صلاحيات بوندي مراجعة ملفات جيفري إبستين. فقد أصدر الكونغرس قانونا الشهر الماضي يلزم بوندي بنشرها، إلا أنها تجاهلته إلى حد كبير. ويبدو أن القانون يتم تجاهله عندما يتعارض مع رغبات أعظم زعيم في أمريكا. ومهما كان مصير ترامب، فإن جوقته متمسكة به وبما يقوله وملتزمة بالطاعة العمياء لرجل واحد.
ويتساءل لوس عن الطريقة التي يمكن فيها للأمريكيين والأجانب على حد سواء الرد على كل ما يرميه ترامب في طريقهم. مجيبا أن فرص نجاحهم قيلة، إلا إذا تعاملوا معه، كما هو، فلا يمكن لأي نظام أيديولوجي الإمساك بأفعاله. وربما هو نفسه وصف نفسه بالفاشي وحتى وإن خفف من حدة الموقف، لكن نزعاته الاستبدادية تنبع من الغرور وانعدام الأمان أكثر من كونها نابعة من نظام عقائدي متماسك. فالترامبية هي ما يختاره هو، حتى عندما يناقض نفسه.
ووفق الكاتب يكمن المفتاح إذن في نفسية ترامب، التي لم تكن يوما لغزا. ذلك أن شخصيته واضحة وضوح الشمس. ويؤكد أنه لمن أدركوا متأخرين حقيقة الهاوية التي نواجهها اليوم، فهذه هي نظرة ترامب للعالم: فهو يرى الحياة معركة يربح فيها طرف ويخسر الآخر. كل من عداه، بمن فيهم أتباعه وحلفاء أمريكا، هم الطرف الآخر. وفي عالم النتيجة صفر، لا مجال للعاطفة أو الصداقات. بل من يحصل على الإحترام هم الخصوم، أما من يظهرون الولاء له، فهم حمقى.
وربما قد ربح المنافسون أو خسروا، حسب ظروفهم. وكانت الصين الرابح الأكبر من ولاية ترامب الثانية حتى الآن، وقد نالت احترامه. أما نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، فهو خاسر بشكل واضح. وربما جاء الدور على غرينلاند وحلف الناتو.
ويخصل الكاتب إلى أنه بات الدرس واضحا لأصدقاء أمريكا: فالتملق لترامب سيجلب احتقارا منه. وعلى العالم أن يدرس مصير مارك كارني، رئيس وزراء كندا، فهو الوحيد من بين الحلفاء حتى الآن الذي فهم حقيقة التحول المختل الذي تشهده أمريكا. وقد فهم كارني الآتي: الوقوف في وجه ترامب لا يضمن النجاح، أما الاستسلام، فهو محكوم عليه بالفشل.
