يمثل افتتاح مستشفى الأميرة بسمة الجديد في محافظة إربد منعطفًا استراتيجيًا في مسيرة تطوير النظام الصحي الأردني، ويعكس توجهًا وطنيًا واضحًا نحو بناء منظومة صحية متكاملة قائمة على العدالة والكفاءة واستدامة الخدمة. فقد افتتح جلالة الملك عبد الله الثاني، يوم الثلاثاء 20 كانون الثاني 2026، هذا الصرح الطبي الذي يُعد ثاني أكبر مستشفى حكومي في المملكة بعد مستشفى البشير في عمّان، ليضطلع بدور محوري كمستشفى تحويلي وتعليمي شامل يخدم إقليم الشمال بكافة محافظاته.
يقع المستشفى في منطقة زبدة فركوح في مدينة اربد، بسعة تتجاوز 500 سرير، منها نحو 60 سريرًا للعناية الحثيثة والمتوسطة، موزعة ضمن مبنى حديث مكوّن من تسعة طوابق يضم مختلف الأقسام التشخيصية والعلاجية باستخدام أحدث التقنيات الطبية والأنظمة الذكية، إلى جانب البنية التحتية والخدمات المساندة. كما وجّه جلالة الملك، فور الافتتاح، بإنشاء مركز متخصص لعلاج أمراض السرطان، ما يعزز مكانة المستشفى كمركز طبي متقدم للخدمات التخصصية.
التعليم الطبي والبحث العلمي
إلى جانب دوره العلاجي، سيؤدي مستشفى الأميرة بسمة الجديد دورًا تعليميًا وأكاديميًا محوريًا، إذ يُصنّف كأحد أهم المستشفيات التعليمية التابعة لوزارة الصحة في إقليم الشمال. وسيعمل المستشفى، إضافة الى مستشفى الملك عبدالله المؤسس، كمركز تدريبي لطلبة كليات الطب في جامعتي اليرموك والعلوم والتكنولوجيا. كما سيسهم المستشفى في تدريب الأطباء المقيمين ضمن برامج الاختصاص العالي في مختلف التخصصات الطبية والجراحية، بما يرفد القطاع الصحي بكفاءات وطنية مؤهلة قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة.
وفي بعده البحثي، يحتضن المستشفى وحدات داعمة للبحث العلمي، تتيح للباحثين الوصول إلى البيانات والمعلومات الطبية الدقيقة، وتشجع على إجراء الدراسات السريرية والتطبيقية، بما يسهم في تطوير الممارسات الطبية المبنية على الدليل العلمي، ويعزز مكانة المستشفى كمؤسسة علاجية تعليمية وبحثية متكاملة.
مركز طبي تحويلي متميز (Referral Center) لا مركز ازدحام وتحويل ذاتي
إن الدور الحقيقي لمستشفى الأميرة بسمة الجديد لا يُقاس فقط بحجمه أو عدد أسرّته، بل بقدرته على العمل كمستشفى تحويلي فعّال لجميع مستشفيات وزارة الصحة في اقليم الشمال يستقبل الحالات التي تتطلب رعاية تخصصية ومتقدمة، ويُجنّب إغراقه بالحالات البسيطة التي يمكن علاجها ومتابعتها بكفاءة في مراكز الرعاية الصحية الأولية او المستشفيات الطرفية.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى تطبيق نظام تحويلي صارم وواضح، يُنظّم حركة المرضى بين المراكز الصحية والمستشفيات الطرفية والمستشفى التحويلي، ويعتمد على بروتوكولات إحالة طبية موحدة، ونظام إلكتروني متكامل يضمن توجيه المريض إلى المستوى العلاجي المناسب في الوقت المناسب. فغياب هذا النظام سيؤدي حتمًا إلى ازدحام العيادات والطوارئ، واستنزاف الموارد، وإعاقة المستشفى عن أداء دوره الاستراتيجي.
تعزيز الرعاية الصحية الأولية: خط الدفاع الأول
لا يمكن لأي مستشفى تحويلي تعليمي، مهما بلغت قدراته، أن ينجح بمعزل عن شبكة قوية وفعّالة من مراكز الرعاية الصحية الأولية. فتعزيز هذه المراكز، ورفع جاهزيتها البشرية والفنية، وتوسيع نطاق خدماتها التشخيصية والمتابعة المستمرة للأمراض المزمنة، يُعد شرطًا أساسيًا لحماية مستشفى الأميرة بسمة من الضغط غير المبرر.
ويشمل ذلك تمديد ساعات عمل المراكز الصحية الشاملة وتمكين فرق صحة الأسرة، وتوفير الأدوية والفحوصات الأساسية، وتفعيل دور المراكز في التثقيف الصحي والوقاية والكشف المبكر، بما يقلل من التحويلات غير الضرورية، ويُحسّن جودة الرعاية الصحية على مستوى المجتمع ككل.
الإدارة الحديثة… العمود الفقري للتشغيل الناجح
إن تحويل هذا الصرح الكبير إلى مؤسسة صحية فاعلة يتطلب تبني أساليب إدارة المستشفيات الحديثة القائمة على الحوكمة والرقمنة والجودة. وفي هذا السياق، تبرز عدة محاور أساسية:
أولًا: الإدارة الرقمية الذكية، توسيع نظام “حكيم” للسجلات الطبية الإلكترونية للوصول إلى الأتمتة الكاملة لجميع انظمة وخدمات المستشفى وأنظمة تخطيط الموارد (ERP)، بما يضمن انسيابية العمل، وسرعة اتخاذ القرار، وتقليل الأخطاء الطبية.
ثانيًا: إدارة الجودة الشاملة، عبر الالتزام بمعايير الاعتماد الوطنية والدولية وبروتوكولات العلاج العالمية، وقياس الأداء بمؤشرات KPIs رئيسية واضحة تشمل سلامة المرضى، وكفاءة الأقسام، ورضا متلقي الخدمة.
ثالثًا: الإدارة اللوجستية المتقدمة، لتنظيم تدفق المرضى والمواد، وإدارة المرافق والصيانة والنظافة، والحفاظ على استدامة مؤسسة صحية بلغت كلفتها نحو 90 مليون دينار، إضافة إلى معالجة تحديات الوصول والمواقف، وضرورة وإنشاء مواقف متعددة الأدوار لسيارات المرضى والزوار بالإضافة الى المواقف السطحية الحالية التي تستوعب 914 مركبة.
الكفاءات البشرية… الاستثمار الأهم
تبقى الموارد البشرية الركيزة الأهم لنجاح أي مؤسسة صحية. فمستشفى الأميرة بسمة الجديد، بحجمه وأدواره المتعددة، يحتاج إلى رفده بالكفاءات الطبية والفنية والتمريضية والإدارية المؤهلة، وبأعداد تتناسب مع سعته وطبيعة خدماته.
ويشمل ذلك:
•تعيين أطباء اختصاص في المجالات الدقيقة، خاصة العناية الحثيثة، والجراحة المتقدمة، والأورام.
•توفير كوادر تمريضية مؤهلة ومدرَّبة على أحدث التقنيات.
•تعزيز الكوادر الفنية المساندة (مختبرات، أشعة، صيانة أجهزة، معالجة تنفسية،معالجة طبيبعية،الخ..).
•بناء جهاز إداري محترف قادر على إدارة مؤسسة صحية معقدة بكفاءة عالية.
كما لا يقل أهمية عن التعيين، التدريب المستمر، وربط الحوافز والترقيات بالأداء وجودة الخدمة، بما يرفع الروح المعنوية ويحد من تسرب الكفاءات.
نحو نموذج وطني متكامل
إن التشغيل التدريجي الذكي للمستشفى، وتكامل أدواره مع الرعاية الصحية الأولية، وتطبيق نظام تحويلي فعّال، إلى جانب الإدارة الحديثة والكوادر المؤهلة، هي الضمانة الحقيقية لأن يتحول مستشفى الأميرة بسمة الجديد من مجرد مبنى ضخم إلى مركز وطني للتميز في تقديم الرعاية الصحية والتعليم والبحث الطبي.
وفي المحصلة، فإن هذا المستشفى ليس فقط إنجازًا إنشائيًا اوزيادة في السعة السريرية، بل فرصة تاريخية لإعادة هندسة الخدمات الصحية في شمال الأردن، وبناء نظام صحي أكثر كفاءة وعدالة واستدامة، يضع المريض في قلب الخدمة الصحية، ويستثمر في الإنسان قبل البناء.
