أخبار

كارثة بيئية وحافلات المؤسسة، إلى متى؟

كارثة بيئية وحافلات المؤسسة، إلى متى؟


#كارثة_بيئية و #حافلات_المؤسسة، إلى متى؟
د. #أيوب_أبودية

كارثة بيئية وحضارية في شوارع عمّان: لماذا يجب استبدال الباصات القديمة فورًا؟
تعيش عمّان اليوم أزمة مركّبة لا يمكن تجاهلها: ازدحام خانق، تلوث هوائي متصاعد، وضوضاء يومية تبدأ مع أول باص ديزل يمرّ في الشارع عند السادسة صباحًا. ورغم التوسع العمراني الهائل، وامتداد مسارات الباص السريع وباص عمان، فما زالت المدينة تعتمد على باصات نقل عام كبيرة، قديمة، ثقيلة، ومتهالكة، تعوق حركة السير، وتعمل على ابتعاث الديزل شديد التلويث للبيئة، وتتحرك في شوارع ضيقة لم تُصمَّم لاستيعابها، ويقودها سائقون يقفون كيفما اتفق ويعمّقون من أزمة السير.
فما هي النتيجة؟ كارثة بيئية وصحية واقتصادية وأزمة سير تتفاقم عامًا بعد عام.
تلوث الهواء… سموم تتسلل إلى رئتينا كل صباح عبر عوادم الباصات القديمة العاملة على الديزل والتي تُعدّ من أكبر مصادر انبعاثات غازات الدفيئة والجسيمات الدقيقة PM2.5. وبدخولها عميقًا إلى الرئتين لتصل إلى الدم، تسبب التهابات مزمنة، وتفاقم الربو، وأمراض القلب، والسكتات الدماغية، وزيادة خطر السرطان والوفاة المبكرة. أما أكاسيد النيتروجين فتُهيّج الجهاز التنفسي، وتقلل وظائف الرئة، وتزيد الحساسية للعدوى، وتسهم في تكوّن الأوزون الأرضي (وهو غاز دفيء) والجسيمات الثانوية، مما يضاعف المخاطر الصحية، خاصة لدى الأطفال وكبار السن.
ومع الازدحام والتباطؤ المتواصل في الحركة، يرتفع تركيز التلوث ساعات الذروة إلى مستويات خطرة، خصوصًا في المناطق منخفضة التهوية بين الأبنية أو في مناطق منخفضة طوبوغرافيا في المدن. هذا التلوث يرفع معدلات أمراض الربو، وغيرها من الأمراض. فهل استبدال باصات الديزل هو أحد الحلول؟
في العديد من المدن حول العالم التي بدأت تستبدل باصات الديزل بباصات كهربائية، لوحظ تحسن ملحوظ في جودة الهواء مع انخفاض في ملوثات النقل (NOx، الجسيمات الدقيقة، وغيرها)، وهو ما يدعم الأرقام التقريبية التي تشير إلى انخفاضات بين 30 – 70 ٪ في بعض الحالات حسب نطاق الدراسة ونوع الملوثات المراد قياسها.
مدينة شنتشن في الصين كانت من أوائل المدن التي حولت أسطولها بالكامل إلى حافلات كهربائية (أكثر من 16,000 حافلة)، ما أسهم في تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وملوثات الهواء بشكل كبير مقارنة بباصات الديزل السابقة.
كما تعمل مدينة لندن على تحويل أسطولها إلى حافلات صفرية الانبعاثات بحلول 2034، مع إدخال آلاف الحافلات الكهربائية والهجينة، وهو جزء من جهود أوسع لتحسين جودة الهواء في أنحاء المدينة وتقليل الانبعاثات الضارة.
أما في موسكو فقد توسّعت المدينة في إدخال الحافلات الكهربائية للخدمة بحيث يكون أسطول النقل العام صفري انبعاثات بحلول عام 2030، وتشير الاحصاءات أنه قد انخفضت انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بنحو 130,000 طن بعد دخول هذا الأسطول الجديد.
هذه الأمثلة تعكس كيف أن التحول من باصات الديزل القديمة إلى حافلات كهربائية يسهم بشكل كبير في خفض تلوث الهواء في المدن، وذلك من خلال استبعاد الانبعاثات المباشرة للمركبات التي تعمل بالوقود الأحفوري وتحسين جودة الهواء وبالتالي صحة الناس في المناطق الحضرية.
ويصعب على عمّان تحمل باصات ضخمة تجوب شوارع جبال عمان السبعة، حيث المنحدارات الحادة والتقاطعات الضيقة والازدحام. هذه الحافلات تشغل حيزًا كبيرًا، وتُحدث “عنق زجاجة” مرورية، فتتسبب ببطء الحركة وتضاعف للازدحام. وكثير من المدن ذات الطبيعة الجغرافية المشابهة اعتمدت باصات صغيرة ومتوسطة الحجم، مرنة، قادرة على المناورة دون تعطيل الشارع ومستخدميه.
تُظهر تجارب مدن ذات طبيعة جغرافية مشابهة لعمّان أن الحافلات الضخمة ليست دائمًا الحل الأمثل للنقل العام في البيئات الجبلية ذات الشوارع الضيقة والمنحدرات الحادة. ففي مدن مثل لشبونة ونابولي وهونغ كونغ، جرى اعتماد حافلات صغيرة ومتوسطة الحجم تتميز بالمرونة وسهولة المناورة، ما مكّنها من العمل بكفاءة داخل الأحياء القديمة والمناطق المرتفعة دون التسبب في اختناقات مرورية. هذه المدن حصرت استخدام الحافلات الكبيرة في المحاور العريضة فقط، بينما اعتمدت المركبات الأصغر في الشوارع الثانوية، الأمر الذي خفّض ظاهرة “عنق الزجاجة” وساهم في تحسين سرعة الحركة وتقليل زمن الرحلات. وتدل هذه التجارب على أن نجاح النقل العام لا يرتبط بعدد الحافلات أو ضخامتها، بل بمدى ملاءمتها للنسيج العمراني والطبوغرافي. وبالنسبة لعمّان، فإن تبنّي حافلات أصغر عالية التردد قد يشكّل خيارًا عمليًا وأكثر انسجامًا مع واقع المدينة الجبلي والازدحام القائم.
منذ السادسة صباحًا وحتى المساء، تصدح محركات الديزل القديمة بضجيج مستمر ينعكس اهتزازًا على طبلات أذن السكان في البيوت، والمحال التجارية، والمدارس، والمعاهد. التلوث الصوتي ليس مجرد إزعاج؛ إنه عامل مؤكد في اضطرابات النوم، ارتفاع ضغط الدم، ومشاكل التركيز، خاصة للطلبة. استبدال هذه الحافلات بباصات كهربائية أصغر يخفّض الضوضاء بنسبة تصل إلى 80%، ويعيد الهدوء للأحياء المكتظة.
لذلك، فإن استبدالها بباصات كهربائية صغيرة Mini e-Buses يعالج عدة أزمات دفعة واحدة: تخفيف التلوث الهوائي بفضل انعدام الانبعاثات، تحسين حركة المرور عبر مركبات أخف وأكثر مرونة في الشوارع الضيقة، وخفض التلوث الصوتي وإعادة جودة الحياة للسكان، وتحسين البعد الجمالي للمدينة. فضلا عن أن كلف التشغيل والصيانة للمركبات الكهربائية أقل بكثير على المدى المتوسط والبعيد، خصوصًا إذا أُنشئت محطات شحن داخل الكراجات المركزية في عصر بات شحن البطاريات لا يتجاوز فترة استراحة السائق.
عمّان وباقي المدن الأردنية المزدحمة تستحق نظام نقل يدعم الحياة لا يدمّرها، فإن الإبقاء على الحافلات الضخمة القديمة العاملة على الديزل ليس مجرد خيار سيء؛ إنه استمرار لنهج يزيد الازدحام وكلفة معالجة الأمراض، ويهدر الوقود، ويقتل الوقت على الطرقات، ويشوّه هواء المدينة وطابعها الجمالي. مدن العالم التي انتقلت للنقل الكهربائي ليست أغنى منّا دائمًا، لكنها كانت تملك إرادة سياسية قوية وخطة طويلة الأمد لتحسين صحة مواطنيها ورفع مؤشر سعادتهم.
عمّان بحاجة إلى خطوة شجاعة: إحالة الباصات القديمة إلى التقاعد، واستبدالها تدرجيًا بباصات كهربائية صغيرة وفعّالة، ومواقف حصرية وسائقين مهرة، ومنع كافة أشكال المركبات الكبيرة وتنكات الماء من التجول في العاصمة أوقات الذروة، فكل يوم تأخير يعني مزيدًا من التلوث، مزيدًا من الضوضاء، ومزيدًا من الوقت الضائع في الازدحام، فضلا عن الحالات المرضية والعصبية والنفسية.
لقد آن الأوان لجعل النقل العام جزءًا من الحل… لا سببًا إضافيًا للأزمة. إن جعل النقل العام جزءًا من الحل يتطلب قرارًا جريئًا يعلي صحة الإنسان وجودة الحياة فوق الحسابات المؤقتة. فالتحول إلى نقل نظيف وفعّال ليس ترفًا، بل ضرورة بيئية وصحية واقتصادية. وكل تأخير يراكم الأضرار، بينما المبادرة اليوم تفتح الطريق لمدن أكثر هدوءًا، و أنقى هواءً ، ومستقبل حضري أكثر إنسانية وجمالا.



المصدر

السابق
مضر بدران يمنع كيسنجر من دخول الأردن..! #عاجل
التالي
زامير يحذر نتنياهو من نقص حاد في قوات الجيش الإسرائيلي