
ليس من السهل اليوم الدفاع عن البرامج الثقافية، لا لأن الثقافة فقدت قيمتها، بل لأن الإيقاع العام لم يعد يمنحها وقتًا كافيًا. في فضاء إذاعي مزدحم بالصوت السريع والموضوعات الخفيفة، تبدو البرامج الثقافية وكأنها تخوض اختبار البقاء أكثر مما تخوض اختبار الانتشار.
ومن هذا المنطلق، يلفت الانتباه برنامج “كرسي الثقافة” الذي يعده ويقدمه الفنان المثقف والإعلامي والكاتب مصطفى أبو هنود، عبر أثير “إذاعة الجامعة الأردنية”، بوصفه تجربة تحاول أن تستعيد المعنى الهادئ للبرنامج الثقافي، بعيدًا عن الاستعراض أو الخطاب الاحتفالي.
ما يميّز البرنامج منذ حلقاته الأولى هو أنه لا يتعامل مع الثقافة كعنوان عريض، بل كسؤال مفتوح. فالحلقات لا تُبنى على الحدث، ولا على الرأي السريع، بل على حوار معرفي يتقدّم ببطء محسوب، يسمح للفكرة أن تتشكّل، وللضيف أن يفكّر بصوت عالٍ. هذا الإيقاع، الذي قد يبدو غير مألوف لبعض المستمعين، هو في الحقيقة جوهر التجربة.
يبدو واضحًا لمن يتابع حلقات “كرسي الثقافة”، أن المقدم لا يسعى إلى “إدارة مقابلة”، بل إلى إدارة مساحة تفكير. الأسئلة ليست استدراجية ولا عابرة، بل مركّبة، وغالبًا ما تُبنى على ما قبلها، بما يمنح الحوار تراكميته ويمنع تحوّله إلى تبادل آراء منفصلة.
كما أن اختيار الضيوف والعناوين يعكس اهتمامًا بالسياق الثقافي الأوسع، لا بالاسم أو المناسبة. الثقافة هنا لا تُقدَّم بوصفها إنجازًا، بل بوصفها إشكالًا: أسئلة الهوية، ودور المثقف، وتحولات المعرفة، وحدود النقد في زمن الاستقطاب.
لذا يمكن فصل “كرسي الثقافة” عن المسار الإذاعي السابق لمعدّه ومقدّمه. فقد سبق لأبوهنود أن قدّم برنامجًا بعنوان “بين زمنين”، اشتغل فيه على الذاكرة الشفوية، مستضيفًا عددًا من الشخصيات التي عاصرت نشوء الدولة الأردنية. تلك التجربة، التي قامت على الإصغاء للتاريخ من أفواه شهوده، لا بوصفه مادة أرشيفية جامدة، تبدو اليوم كخلفية مفهومية لبرنامج يشتغل على الثقافة بوصفها زمنًا ممتدًا، لا حدثًا معزولًا.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه إدارة “إذاعة الجامعة الأردنية”، في تكريس هذا النوع من البرامج. فاستمرار “كرسي الثقافة” بهذا النفس الهادئ، وبهذا العمق، يشير إلى وجود قناعة مؤسسية بأهمية المحتوى الثقافي، وبأن الإذاعة الجامعية ليست مساحة تدريبية فحسب، بل منصة معرفية قادرة على المساهمة في تشكيل الوعي العام.
وهنا تبرز أهمية الجامعة الأردنية بوصفها صرحًا علميًا لا يكتفي بدوره الأكاديمي داخل أسواره، بل ينفتح على المجتمع من خلال الإعلام الثقافي، ويفتح حوارًا معرفيًا وتنويريًا يتجاوز القاعة الدراسية. فالبرنامج، في هذا السياق، لا يُمثّل جهدًا فرديًا فقط، بل يندرج ضمن رؤية أوسع ترى في الثقافة أداة تواصل، وفي الحوار وسيلة لفهم الذات والمجتمع.
ما يلفت في تجربة “كرسي الثقافة” أن المستمع لا يُغادر الحلقة محمّلًا بإجابات، بل بأسئلة. وهذه سمة نادرة في البرامج الإذاعية عمومًا، والثقافية على وجه الخصوص. فالقيمة هنا ليست في الخلاصة، بل في المسار، وفي الطريقة التي يُعاد فيها الاعتبار للفكرة بوصفها عملية مفتوحة لا نتيجة نهائية.
في المحصلة، يمكن النظر إلى برنامج “كرسي الثقافة” بوصفه نموذجًا لما يمكن أن يقدّمه البرنامج الثقافي حين يتكامل الجهد الفردي مع الرؤية المؤسسية، وحين تتحوّل الإذاعة الجامعية إلى مساحة تفكير، لا مجرّد وسيط للصوت. تجربة لا ترفع صوتها، ولا تطلب الاحتفاء، لكنها تذكّر بأن الثقافة، حين تجد من يصغي إليها، ما زالت قادرة على أن تؤدي دورها التنويري بهدوء وثبات .
