يشكّل الرأي العام في الأردن عنصرًا أساسيًا في المشهد السياسي والاجتماعي، بوصفه تعبيرًا عن مواقف المواطنين تجاه القضايا العامة، وعاملًا مؤثرًا بدرجات متفاوتة في عملية صنع القرار. فمنذ نشأة الدولة الأردنية الحديثة، قامت العلاقة بين الشارع ومؤسسات الحكم على معادلة دقيقة توازن بين حق التعبير وواجب الدولة في حماية مصالحها العليا وضمان الاستقرار السياسي والأمني في بيئة إقليمية معقدة.
يضمن الدستور الأردني حرية الرأي والتعبير ضمن إطار القانون، وهو ما أتاح مساحة للنقاش العام عبر وسائل الإعلام المختلفة والمجالس المنتخبة والمنصات الرقمية التي باتت تلعب دورًا محوريًا في تشكيل اتجاهات الرأي العام. غير أن ممارسة هذا الحق لا تنفصل عن السياق المجتمعي، حيث يتداخل التعبير عن الرأي مع اعتبارات اجتماعية واقتصادية وسياسية، ما يجعل الرأي العام متنوعًا وغير موحد، لكنه يعكس في مجمله قلقًا حقيقيًا تجاه القضايا المصيرية.
شهد الرأي العام الأردني خلال السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة، مدفوعة بتحديات اقتصادية وضغوط معيشية، إلى جانب تداعيات الأزمات الإقليمية والتحولات الدولية. وقد أسهم ذلك في زيادة التفاعل الشعبي واتساع مساحة التعبير، الأمر الذي منح الرأي العام حضورًا أوضح في النقاشات العامة والملفات الداخلية، وبرز كقوة ضاغطة في ملفات عديدة مثل السياسات الضريبية، والدعم الحكومي، والإصلاحات الاقتصادية، حيث اضطرت الحكومات في أكثر من مناسبة إلى إعادة النظر في قراراتها أو تعديلها استجابةً لحالة الرفض الشعبي الواسع.
رغم هذا الحضور المتزايد للرأي العام، تبقى القرارات المصيرية – كقضايا السياسة الخارجية، والأمن الوطني، والاتفاقيات الدولية، والتحالفات الإقليمية – محكومة بمنطق مختلف، يقوم على تقدير المصالح العليا للدولة، وليس فقط على المزاج الشعبي اللحظي. فصانع القرار الأردني يجد نفسه أمام معادلة معقدة، يوازن فيها بين الإرادة الشعبية من جهة، ومتطلبات الأمن والاستقرار والالتزامات الدولية من جهة أخرى.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن الدولة تمتلك معلومات ومعطيات استراتيجية لا تكون متاحة للرأي العام، مثل تفاصيل التهديدات الأمنية، أو الحسابات الاقتصادية طويلة الأمد، أو تداعيات القرارات على العلاقات الدولية. وهو ما يفسر في كثير من الأحيان الفجوة بين ما يطالب به الشارع، وما تتخذه الدولة من قرارات قد تبدو غير شعبية، لكنها تُبرَّر بأنها ضرورية لحماية المصلحة الوطنية.
تكمن الإشكالية الأساسية في العلاقة بين الرأي العام وصانع القرار في التمييز بين التأثير المشروع والضغط المفرط. فالرأي العام الصحي هو ذاك الذي يعبّر عن نفسه بوعي، ويطالب بالإصلاح والتصويب دون الانزلاق إلى الفوضى أو تقويض الثقة بالمؤسسات. أما حين يتحول التعبير إلى حالة من الشحن المستمر أو التضليل أو الشعبوية، فإنه قد يقيّد قدرة الدولة على اتخاذ قرارات صعبة لكنها ضرورية.
وفي المقابل، فإن تجاهل الرأي العام أو التقليل من أهميته يحمل مخاطر جسيمة، إذ يوسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويفتح المجال أمام اهتزاز الثقة واستغلال حالة الاحتقان. ومن وهنا تبرز مسؤولية الدولة والإعلام والأحزاب والمجتمع المدني في تعزيز الوعي، وتقديم المعلومات الموثوقة، وخلق نقاش عام قائم على المعرفة لا على ردود الفعل الآنية. فالرأي العام الواعي يشكل عنصر دعم للقرار الوطني، بينما الرأي العام المضلَّل قد يتحول إلى عبء على الدولة والمجتمع معًا.
إن التجربة الأردنية تؤكد أن الرأي العام لا يُفترض أن يكون خصمًا للدولة، بل شريكًا في مواجهة التحديات. فكلما تعززت الشفافية واتسعت مساحة الحوار، ازدادت قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بأقل كلفة اجتماعية وسياسية. ويبقى التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن بين احترام حق التعبير وتعزيز دور الرأي العام، وبين حماية المصالح العليا واتخاذ القرارات المصيرية بمنطق الدولة، باعتباره الضامن لاستقرار الأردن وتماسك مجتمعه.
