أخبار

أحمد عبيدات… رجل دولة في زمن الحاجة إلى الدولة

أحمد عبيدات… رجل دولة في زمن الحاجة إلى الدولة


جو 24 :

 

يرقد اليوم السيد أحمد عبيدات على سرير الشفاء، وفي هذه اللحظة الإنسانية لا يمكن التعامل مع اسمه باعتباره مجرد حالة صحية، بل بوصفه واحداً من أبرز رجال الدولة في تاريخ الأردن الحديث، ممن يستحقون التوقف عند تجربتهم السياسية بكل ما لها وما عليها.

ينتمي أحمد عبيدات إلى جيلٍ نادر من المسؤولين الذين شغلوا مواقع سيادية ومفصلية؛ من إدارة دائرة المخابرات العامة، إلى وزارة الداخلية، فرئاسة الوزراء، وصولاً إلى عضوية مجلس الأعيان. غير أن القيمة الحقيقية لهذه السيرة لا تكمن في عدد المناصب، بل في طريقة إدارة الرجل لها، إذ حافظ في جميعها على استقلال قراره والتزامه بقناعاته في خدمة الدولة كما كان يراها.

أكثر المراحل إثارة للجدل في مسيرة عبيدات كانت بلا شك أثناء توليه إدارة دائرة المخابرات العامة. ففي تلك الفترة اتُّبعت سياسات قاسية بحق المعارضين، من حجز لجوازات السفر إلى التضييق على مصادر الرزق. وهي سياسات لا يمكن تبريرها أو الدفاع عنها، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والأمني لتلك المرحلة، حيث كان الأردن محاطاً بإقليم ملتهب، وتعرّض لاحقاً لسياسات أكثر تشدداً ممن خلفوا عبيدات في الموقع ذاته.

ما يُحسب لأبي ثامر أنه لم يتخلَّ عن حسّ الدولة ومسؤولية الموقع حتى بعد خروجه من السلطة. فقد كان أول رئيس وزراء، بعد الشهيد وصفي التل، يطرح ملف الفساد على الملأ، في وقت كان يُنظر فيه إلى هذا الملف باعتباره من المحرمات. وهو أول من واجه علناً سؤال “من أين لك هذا؟”، وفتح أبواب المؤسسات، واصطدم برجال دولة اعتادوا أن يكونوا فوق المساءلة.

وعندما تولى رئاسة المركز الوطني لحقوق الإنسان بعد تأسيسه، صدر في عهده تقرير وطني غير مسبوق تحدث صراحة عن تزوير الانتخابات، ما أدى إلى دفعه ثمناً سياسياً واضحاً تمثل بطلب استقالته. كما يُسجَّل له موقفه الرافض لاتفاقية السلام، في وقت كانت فيه غالبية النخب الرسمية تمارس التصفيق السياسي، دون نقاش حقيقي لمصلحة الأردن، وهو رفض نابع من قناعة بأن الاتفاقية حملت غبناً واضحاً بحق الدولة الأردنية.

بعد خروجه من المواقع الرسمية، لم يعتزل عبيدات الشأن العام، بل انخرط في العمل الوطني المعارض للسياسات، وترأس أطرًا سياسية وشعبية متعددة، محافظاً على توازن دقيق بين النقد والمعارضة من جهة، والحفاظ على الدولة ومؤسساتها من جهة أخرى. ورغم اعتراض بعض أطراف المعارضة على وجوده بحجة انتمائه السابق للسلطة، فإن هذا الموقف يبدو قاصراً عن إدراك قيمة استقطاب شخصية بحجمه، خاصة وأن سجله ظل بعيداً عن شبهات الفساد.

اليوم، وفي ظل ما يشهده الأردن من تراجع مقلق في إدارة الشأن العام، تبدو الحاجة ماسة إلى أصوات رجال دولة حقيقيين، خدموا في مواقع القرار ويملكون الجرأة على النقد من داخل التجربة لا من خارجها. وأحمد عبيدات كان، ولا يزال، واحداً من هذه الأصوات.

نسأل الله تعالى أن يمنّ عليه بالشفاء والعافية، فالأوطان لا تستغني عن أبنائها، ولا عن رجال الدولة حين تغيب الدولة.

 



Source link

السابق
رئيس “عمان العربية” يلتقي بالطلبة الوافدين ضمن سلسلة اللقاءات الدورية لتعزيز دورهم في الحياة الجامعية
التالي
القناة “12”: اشتباه بحادث أمني على الحدود الأردنية والجيش ينشر فرق طوارئ