أخبار

السنن الإلهية بين الهلاك والتدافع #عاجل

السنن الإلهية بين الهلاك والتدافع #عاجل


جو 24 :

كتب د. نبيل الكوفحي –

برغم علو الباطل وتعاظم سطوته وجبروته وفساده في الارض، إلا ان التاريخ يخبرنا ان مئات الطواغيت وعشرات الامم الظالمة قد اندثرت عبر التاريخ، ولم يعد لها وجود الا أطلالها، فتظهر الحقيقة الثابتة: أن الطغيان والظلم لا يدومان، وأن مصير الظالمين يكون في الغالب الهلاك والزوال، مهما طال زمن سلطانهم وعظمت قوتهم وكثر بطشهم. هذه السنّة الإلهية تتكرر في قصص الأمم والحضارات لا تحابي احدا.

يقول تعالى: “وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ”، هذه الآية تؤكد أن إهلاك القرى الظالمة سنة إلهية دائمة، وقد جاءت مقدمتها بسؤال ” وكم” للدلالة على انها كثير. يحفل القرآن الكريم بقصص أمم ظلمت فدمرت، كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وغيرهم: “فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ”.

يضرب القرآن مثلاً واضحاً في قصة فرعون: “فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى”، وقد ذكر القرآن هلاك فرعون في عدة مواضع، وقد بلغ العلو في فرعون انه قال ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)·

ولكن نهايته كانت في لحظة قدرية في قمة صلفه وعلوه فجاء امر الله ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ).

الحال لا يختلف عند قوم عاد الذين قال الله عنهم ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ﴾ وهو حال كثير من الطغاة اليوم، وما ترامب والصهاينة ومن حالفهم إلا حالة منهم ونسوا ان الله يقول ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ).

وما جرى عليهم سيجري على غيرهم، فتلك الحقيقة التي خلدها القران الكريم { وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ}.

اذا كان زمن الاهلاك المباشر الطغاة والأمم الظالمة بتدخل الهي قد انتهى، فان سنة الله في إهلاكهم تكون في التدافع. هذه السنن الإلهية تبقى نبراساً يرشدنا كأفراد ومجتمعات ودول إلى أهمية مقاومة الظلم والطغيان، مهما على وتكبر، وبأضعف الإيمان الا نكون جزءا من منظومته وحلفه.

لفهم سنن التدافع التي جرت عليها البشرية منذ ما قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لننظر في نشوء للدولة الإسلامية التي أزاحت اكبر إمبراطوريتين خلال اقل من عشرين عاما من عمرها، والثقة المطلقة بأن نهاية الظالمين واقعة مهما طال زمانهم وعلا جبروتهم، كما قال تعالى “وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا”. وان العاقبة للمتقين الذين ادركوا حقيقة المقصد من خلق البشرية الذين عبر عنه القران الكريم بقوله ( إني جاعل في الأرض خليفة ). والذين يؤمنون بان الدنيا دار عمل وامتحان وان الآخرة هي دار الحساب. لذلك وجب عليهم مراعاة حقوق البشرية في الحياة والاعتقاد والأوطان والموارد، وأنهم – مهما طال الليل- سوف يشهدون ما شهد الأولون من المومنين ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).

سنة الله تعالى انه يدفع كيد الكافرين ومكرهم وظلمهم بجهاد طائفة من المؤمنين ورباطهم؛ هذه الحقيقة جاءت بها الآية الكريمة { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} (البقرة ٢٥١). ومن اللافت للنظر في تدبر الاية الكريمة أن (سنة الدفع) جاءت في سورة البقرة مسبوقة بذكر قصة سيدنا داود عليه السلام، والإشارة إلى ما شرفه الله به من نصير وملك كما جاء في ذات الاية (٢٥١ ) من سورة البقرة {وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء}

يقول تعالى في موضع آخر لتأكيد حقيقة سنة التدافع {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} ( الحج٤٠). وهي تاكيد مع تفصيل للآية السابقة في سورة البقرة، مع اثبات حقيقة ان النصر من عند الله لمن ينصره. وقد جاءت الاية أعلاه بعد قوله تعالى في الاية التي سبقتها ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.

واقع الحال؛ ان الامة تعيش اضعف حالاتها، لكنها ليست المرة الاولى في تاريخها، فقد جاء الغزو المغولي ثم الحروب الصليبية ثم ” الاستعمار الحديث”، وقد نهضت بعد ضمور، وهذا يستحثنا ان ننهض من جديد في الجوانب المختلفة؛ من عودة لدين الله ونشر العدل وضمان كرامة الإنسان وتعظيم قيمة العلم واستغلال الموارد المختلفة والتطوير والتوحد والسعي لامتلاك عناصر القوة كلها بدءا من الاستقلال الغذائي وانتهاء بالتصنيع العسكري، والفرص موجودة مهما وضعت العقبات وحيكت المؤمرات. من قبل الصهاينة ودول الاستكبار الدولي.

ولعل مفتاح ذلك وجود ارادة عند الدول والشعوب بولوج مسار الاستقلال والاعتماد على الذات، والتكامل بين دولنا وشعوبنا، وأعتقد ان الفرصة موجودة خاصة بعد ان تكشفت كل نواياهم وخططهم، وأنهم يريدوننا جميعا عبيدا تحت أمرتهم.



Source link

السابق
رحلة إلى الماضي.. تفاعل كبير مع فقرة “باب الحارة” في “جوي أوردز” (فيديو)
التالي
ماذا يُراد من الأردن في مجلس السلام؟ #عاجل