أخبار

مكافحة الفساد… دجل سياسي ؟

مكافحة الفساد… دجل سياسي ؟


#مكافحة_الفساد… #دجل_سياسي ؟

كتبت #شيرين_قسوس

في الدول التي يستشري فيها الفساد، لا يكون السؤال لماذا انهارت المؤسسات، بل لماذا ما زال الناس يتفاجؤون بالانهيار. فالفساد لا يسقط الدول فجأة، بل يُدار بعناية، ويُحمى بالقانون حينًا، وبالخوف حينًا آخر، وبالصمت العام دائمًا. وحين يصبح الفساد جزءًا من آلية الحكم، فإن المشكلة لم تعد في أفراد فاسدين، بل في نظام اختار أن يعيش عليهم ويحكم بهم.
الصمت على الفساد ليس موقفًا أخلاقيًا ضعيفًا فحسب، بل هو قرار سياسي خطير. هو تفويض غير معلن لاستمرار النهب، ورسالة واضحة بأن الدولة لا ترى، أو ترى وتقبل. كل ملف يُغلق دون محاسبة، وكل مسؤول يُنقل بدل أن يُحاسَب، وكل قضية تُدفن تحت مسمى “المصلحة العامة”، هي خطوة إضافية نحو دولة تُدار ضد شعبها لا باسمه.
الفساد لا ينتشر لأنه ذكي، بل لأنه محمي. محمي بقوانين مفصّلة، وبقضاء مُقيّد، وبإعلام مُدجّن، وبخطاب رسمي يتقن الوعظ أكثر مما يتقن الفعل. وحين يُعاقَب من يكشف الفساد بدل الفاسد نفسه، تتحول الدولة من كيان يفترض أن يحمي المجتمع إلى أداة ترهيب تمنع أي محاولة للتصحيح.
الحديث عن مكافحة الفساد دون المساس بمراكز القوة هو كذب منظم. لا يمكن محاربة الفساد بلجان شكلية، ولا بتصريحات موسمية، ولا بتضحيات صغار الموظفين. الفساد الحقيقي يسكن في القمة، في القرارات الكبرى، في العقود الضخمة، في الحصانات، وفي الخطوط الحمراء التي لا يُسمح لأحد بتجاوزها. وكل إصلاح لا يقترب من هذه المناطق ليس إصلاحًا، بل خداعًا سياسيًا مؤقتًا.
الشفافية التي لا تشمل السلطة وهم، والقانون الذي لا يُطبَّق على النافذين مسرحية، والمحاسبة التي تتم سرًا صفقة لا عدالة. أما المبلّغ عن الفساد الذي يُترك وحيدًا، فهو دليل قاطع على أن النظام لا يريد العلاج، بل يريد الصمت. فالدولة التي تخاف الحقيقة لا تستحق الثقة، والنظام الذي يحارب من يكشف الخلل هو نظام قرر الاستمرار في الخراب.
الفساد، كأي مرض خبيث، لا يقبل أنصاف الحلول. لا يُستأصل بجرعة خطاب، ولا يضعف بتغيير الوجوه مع بقاء المنظومة. إما مواجهة شاملة تكشف الأسماء وتكسر الحصانات وتعيد تعريف السلطة كمسؤولية لا كغنيمة، أو استمرار في طريق الانهيار مع تحميل الشعب دائمًا ثمن ما لم يقرره.
في معركة كهذه، لا وجود للحياد. من يصمت اليوم، سيدفع غدًا ثمنًا أكبر، ومن يبرر، شريك، ومن يخوّف الناس من الفوضى ليحمي الفساد، هو أول من يصنعها. فالدول لا تُبنى بالخوف، ولا تستقر بالنهب، ولا تُحكم بالكذب طويلًا. ومواجهة الفساد ليست تطرفًا سياسيًا، بل الحد الأدنى من احترام فكرة الدولة نفسها.

  • 50110018 2417620231642092 3304757517845790720 n e1547062593962



المصدر

السابق
الملك يستقبل رئيس الوزراء القطري ويتناولان مستجدات الإقليم
التالي
خــيـــبــة أمل . . !