أخبار

نظرية السقوط غير الخطي #عاجل

نظرية السقوط غير الخطي #عاجل


جو 24 :

كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني – 

كنت أراقب طفلين من جيراني، يلعبان في فناء بيت أحدهما، الذي احتوى حديقة فيها جزء له صعود حاد بعض الشيء. وكان أحد الطفلين أقوى بنية وأكبر عمراً، وأعلى وزناً، من الآخر. وكان عليه أن يدفع الصغير نحو الأعلى في الصعود الحاد. وما أن وصلا إلى منتصف المسافة حتى انقلب الطفل الصغير على وجهه ، فتبعه الكبير بالسقوط . والكارثة التي حصلت أمامي أن الأذى الذي لحق بالصغير كان ضعف ما لحق بالكبير ، لأن وزن الكبير كان ثقيلاً. فلم يخطر ببالي بعد ذلك إلا نظرية السقوط غير الخطي، التي درستها في علم الفيزياء قبل ما يزيد عن خمسين عاماً .

لا يبدأ السقوط بصوتٍ عالٍ، ولا يأتي على هيئة صدمة كبرى أو حدث استثنائي يعلن نهاية مرحلة وبداية أخرى، بل يبدأ بهدوء خادع، بخطوة صغيرة تبدو في لحظتها قابلة للتجاوز، وبخلل محدود يجري التعامل معه بوصفه تفصيلاً عابراً لا يستحق القلق. وفي السياسة، نادراً ما تنهار الأنظمة فجأة، فهي غالباً ما تتآكل ببطء، تحت وطأة افتراض خاطئ مفاده أن القوة الظاهرة كافية لضمان الاستقرار، وأن الدفع المستمر للأطراف الأضعف نحو الصعود لا يحمل في طياته خطراً على من يمارس هذا الدفع.

سلسلة الانهيار غير الخطي لا تعمل وفق منطق الإنذار المبكر، ولا تتبع تسلسلاً يمكن التنبؤ به، فهي لا تحتاج إلى أزمة كبرى لتبدأ، بل تكتفي ببيئة مشدودة ومثقلة بالتناقضات، حيث يصبح أي اضطراب صغير قادراً على إطلاق تفاعل متسلسل يتضخم مع الوقت. فقرار إداري محدود، أو احتجاج موضعي، أو خلل مؤسسي جزئي، أو اعتماد مفرط على فاعل هش، كلها عناصر قد تبدو منفصلة في ظاهرها، لكنها في بنية مترابطة تتحول إلى نقاط ضغط تتفاعل فيما بينها خارج نطاق السيطرة.

في هذا السياق، تتحول القوة من عنصر حماية إلى عامل تضليل، إذ يخلق تراكم أدوات السيطرة وهماً بالثبات، بينما تكون البنية الداخلية قد فقدت مرونتها وقدرتها على امتصاص الصدمات. والنظام الذي يواصل الدفع إلى الأمام دون إعادة تقييم لقدرة مكوناته على التحمل، يشبه من يدفع حملاً أثقل من أن يُحتمل على مسار صاعد، معتقداً أن الجهد وحده كافٍ لتجاوز العقبات، متجاهلاً أن أول فقدان للتوازن قد لا يطيح بالضعيف وحده، بل بمن يقف خلفه أيضاً.

الانهيار غير الخطي لا يحترم التدرج ولا يمنح فرصة للتصحيح المتأخر، فهو يقفز من الهامش إلى المركز، ومن الظواهر الثانوية إلى جوهر النظام، بحيث يصبح ما كان يُعدّ مسألة قابلة للإدارة بالأمس، أزمة وجودية اليوم. وفي هذه اللحظة، تتسارع الأحداث وتبدأ في التغذي على نفسها، وتتحول محاولات الاحتواء إلى عوامل إضافية لفقدان الثقة، فيما تنكشف هشاشة الروابط التي كان يُظن أنها مصدر قوة.

وغالباً يُساء فهم هذه اللحظات في التحليل السياسي، فيُنظر إلى الانهيار بوصفه مفاجئاً أو غير متوقع، بينما يكون في الحقيقة نتيجة تراكم طويل من اختلالات صغيرة لم تُؤخذ على محمل الجد. المشكلة لا تكمن في الحدث الذي فجّر الأزمة، بل في السياق الذي جعله ممكناً، وفي بنية لم تعد قادرة على التكيف مع الضغوط المتزايدة. وهنا يتضح أن الخطر الحقيقي لا يأتي من الصدمات الكبرى، بل من الاستهانة المتكررة بالصغائر داخل نظام فقد توازنه الداخلي.

في عالم تتزايد فيه الترابطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تصبح سلسلة الانهيار غير الخطي أكثر حضوراً وأشد فتكاً، إذ لم يعد من الممكن عزل الفشل أو احتواؤه داخل حدود ضيقة. فسقوط عنصر واحد قد يمتد أثره عبر شبكة كاملة من الاعتماد المتبادل، ليطال أطرافاً كانت تبدو بمنأى عن الخطر. وعندها لا يعود السؤال لماذا انهار النظام، بل لماذا استمر الاعتقاد طويلاً بأن الانهيار لن يحدث، رغم أن شروطه كانت تتشكل بصمت منذ البداية



Source link

السابق
الأمن العام يحذر – سواليف
التالي
شكرٌ حين يكون واجبًا… لأن الدولة التي تسمع شعبها تُشفى قبل أن تُشفى مستشفياتها