
د. #هاشم_غرايبه
في مثل هذه الأيام قبل خمسة عشر عاما، حدثت أول ثورة شعبية عربية في تاريخنا الحديث، بل هي الثورة الحقيقية الوحيدة، فكل ما عداها كانت تسمي نفسها ثورات ، لكنها مجرد انقلابات عسكرية للوصول الى السلطة يقوم بها عسكر يدعون أنهم جاءوا تلبية لتطلعات الشعب.
الطريف أن معادي منهج الله يتهمون هذه الحركة الشريفة أنها عميلة للاستعمار، والسبب لأن الجماهير كشفت عن أن تطلعاتها إسلامية وليست كما كانوا يشيعون أنها قومية أو ماركسية.
وبغض النظر عن فشلها في تحقيق التغيير في الواقع العربي الإسلامي في جولتها الأولى، ورغم إصابة البعض بالإحباط لمآلاتها المأساوية التي نجمت عن شراسة الثورة المضادة، إلا أن لهذه الأحداث معان ولها دلالات، وقد كشفت عن كثير من النتائج المبكرة، وستكون من هذه الإستخلاصات عبرة، تستفيد منها الشعوب في موجة الثورة الثانية القادمة لا محالة، وأهمها:
1 – أصبح واضحا جليا أن الأنظمة العربية القائمة حاليا، ليست متناقضة في الأهداف والرؤى رغم المشاحنات الظاهرية بين الزعماء، إذ تربطها جميعا سلسلة واحدة طرفها في يد أمريكا.
2 – تدرك هذه الأنظمة أن عوامل بقائها أو زوالها واحدة، وسقوط بعضها يؤذن بسقوطها جميعا، لذا تلتقي مع بعضها مصلحيا، وتهرع لنجدة النظام الذي يثور عليه شعبه، لمنع سقوطه.
3- تبين أن هنالك تلازم بين فساد وفشل النظام وصموده في وجه العواصف الشعبية، فكلما كان ذلك متفشيا، كان دعمه من قبل الغرب أكثر.
4 – سقطت والى غير رجعة ادعاءات الغرب الكاذبة بحرصه على ترسيخ قيم الديمقراطية وعدم قبوله بالأنظمة الشمولية، فعلى أرض الواقع يدعم بطش أنظمة مستبدة قائمة ضد معارضيها السلميين، ووقف مرتين ضد خيار الشعب الديمقراطي عندما اختير اسلاميون في الجزائر ومصر، وأعطى شرعية للإنقلاب عليهم.
5 – انهار تماما ذلك الوهم المسمى بالقوى الوطنية اليسارية، بعد أن لم يعد بينهم وبين من كانوا يعتبرون يمينيين أي فارق في الأداء السياسي، فقد تقمصوا تماما دور من كانوا بنظرهم يمينيين من أزلام الأنظمة ويمارسون (التشبيح) لصالحها، ويدافعون عن قمعها وفسادها، وظهر ذلك جليا في تأييدهم القوي للأنظمة ذاتها التي ظلوا يعتبرونها فاسدة، كما انكشف الزيف الشعاراتي، وتقديم المصلحة على المبدأ، عندما انقلبوا كلياً على المبدئين الذيْن تأسس وجودهم عليهما، وهما مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومبدأ رفض تدخل القوى الكبرى في الشؤون الداخلية للدول الضعيفة.
6 – تبين أن الإخوان المسلمين ليس لديهم برنامج سياسي لتولي الحكم، فلم تكن لديهم كوادر مسبقة التأهيل لشغل المناصب السياسية، وفوجئوا لما آلت السلطة إليهم، والذي كان لانعدام المنافس أكثر مما هو ثقة بهم، ويبدو أن ذلك الأمر لم يكن في بالهم أصلاً، وأن قصارى جهودهم كانت في إيصال نفر معدودين للمشاركة الهامشية في الحكم، ليس إلا.
7 – تبين أن الحصن الحصين الوحيد الحامي للأمة هو الإسلام، وثبت ذلك من توجه سهام الأعداء إليه وحده، بالمقابل فقد انهارت كل الحصون الرملية الأخرى التي تحمل شعارات القومية والتقدمية والمقاومة من أول هبة ريح، وبات المحتمون بها في العراء، وانكشفوا عندما انضموا الى الحملة الصليبية الأخيرة المسماة : الحرب على الإرهاب.
8 – الرهان على الشرعية الدولية وعلى تخلي القوى الكبرى عن أطماعها في ديار الأمة ضرب من السذاجة، فقد رأينا كيف توافقت هذه القوى لأول مرة في التاريخ، وبحماس منقطع النظير، على تشكيل تحالف ضم كل القوى المتناقضة تاريخيا ضد عدو غير معرّف سمي الإرهاب الإسلامي، فيما لم تحركهم الأعمال الإرهابية التي تمت قبلا من قِبَلِ غير المسلمين.
ذلك دليل ساطع على استهداف الإسلام، وليس ذلك بجديد، فأهل الحق دائما مستهدفون من أهل الباطل منذ أن أشرقت الأرض بنور ربها وهُداه .
ولأن الباطل أراد استغلال هذه اللحظة التاريخية، حيث تآلفت كل قوى الباطل مع المنافقين من أبناء الأمة، في غزوة أحزاب جديدة، وفي نيتهم استئصال الإسلام.
ولأن الله ما أنزل دينه ليهزم..أفشل مسعاهم ، وخرج الدين مرة أخرى سليما، والمؤمنون أكثر عزما وأشد تمسكا به.
وفي الموقعة القادمة سيكون الفتح بإذن الله، وسنرى الناس يدخلون في دين الله أفواجا.

