المضامين والسِمات المديّنية الريادية المُستنتجة من كِتاب قصبة الكرك للدكتور العساف
رصد وتحليل: أ. د #حسين_طه_محادين– قسم علم الاجتماع – جامعة مؤتة.
*اسم الكتاب؛ #قصبة_الكرك؛ النواحي الإدارية والاحوال الاجتماعية والاقتصادية من خلال سجل قرارات حاكم الحقوق في محكمة الكرك (1919-1920) عدد الصفحات؛ 434
دراسة وتحقيق؛ الدكتور
جهة الاصدار؛ مركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي – عمان؛ وفي كلمة تقديمية لمعالي ا. د مهند مبيضين مدير عام مركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي موضحا فرادة وأهمية هذا الإصدار قائلا “يُسعد المركز ان يقدم هذا الإصدار كدراسة جادة توثق لحياة وتاريخ حاضرة عثمانية اردنية في عهدين هاشميين (في زمن المملكة الفصيلة؛ وبداية تأسيس أمارة شرقي الأردن).
تتجلى أهمية وغنى هذا الإصدار العلمي الرائد؛ بأنه قد شكل إضافة نوعية وتوثيقية تاريخية لواقع السمات المميزة لبنية العلاقات التفاعلية المرتبطة بواقع وتفاصيل التعاملات اليومية بين سكان قصبة الكرك حينها؛ أيّ اظهاره لنا كباحثين ماهية خِطاب حياتهم اليومية بمختلف عناوينها وتحولاتها الحداثية مقارنة بشقيقاتها من المناطق الأخرى ؛اذ اشارت المصادر التاريخية الى ان أول تشكيل قانوني واداري قد جاء بعد انعقاد مؤتمر السلط وذلك في عام 1920 حيث صاحب هذا التشكيل المؤسسي تعيين موظفين محليين؛ ومجلس مُنتخب للقضاة لإدارة شؤونه برعاية انجليزية وجهة نظر علم الاجتماع الحضري ايضا.
شكّل هذا الإصدار مرجعا تأصيليا بالنسبة لكل من: – الباحثون؛ المؤرخون؛ طلبة العلم بمختلف مستوياتهم؛ المعنيون في دقة المعرفة العلمية التأريخية؛ أي غير الانطباعية ممن هم غير الاسرى للثقافة السماعية والشفاهية غير المُحققة علميا من خلال الوثائق او السجلات القضائية او تلك الحوادث والبطولات المضخمة التي ينسجها المخيال الشعبي غالبا.
لقد أصل ضمنا هذا الإصدار العلمي ومن خلال سجل قرارات حاكم الحقوق في محكمة الكرك الى أميز خصائص وفرادة سمات التفاعلات الحياتية المعيشة في قصبة الكرك؛ اذ عبرت حقائقه التاريخية المُحققة عن حجم وسلمية تنوع خلفيات وخلافات سكان وتجار وقاطني قصبة الكرك عبر لجوئهم للقضاء في حل خلافاتهم؛ مثلما بيّن الاصدار مدنية السكان عبر وسائل دفاعهم عن مصالحهم وحقوقهم من خلال التقاضي حينها.
وبالترابط مع ما سبق ومعه؛ أن منطلق ومتن قراءتي البحثية عن قصبة الكرك هنا؛ هو وقائع واتجاه عناوين الحياة الاجتماعية المُستلهمة والمستنتجة علميا من هذا الكتاب ماهية وعي سكان القصبة ترابطا مع طبيعة وتفرد نظام ودلالات التراتب الاجتماعي أو الشرائحي المفتوح بحكم فعالية الجذور الاجتماعية ذات مرجعية الدينية والثقافية والتكافلية في مجتمع الدراسة لوجود ” نظام الزكاة والارث والمنيحة/ منايح لفقراء المجتمع؛ وليس وفِقا لتصنيف التقسيم الطبقي فيها كما يستسهل البعض وصفه ؛ وهذا هو الخطأ السائد لدى جُل الباحثين الذين يخلطون في منهجيتهم التحليلية لمثل هذه الحالات بين مفهومي الشرائح الاجتماعية وهي الاسلم علميا من استخدامهم لمفهوم “الطبقة” استنادا الى اطروحات العالم كارل ماركس.
*هل مجتمع قصبة الكرك كان مدنيا بالدلائل العلمية والفكرية علميا…؟
ينطلق هذا الرصد والتحليل العلمي على تشاركية العلوم الإنسانية استنادا الى اطروحات ونظريات كل من
أ-علم الاجتماع الحضريوهو أحد تخصصات علم الاجتماع الام والذي يدرس المدينة؛ تركيبتها الديمغرافية؛ شبكة وتنوع العلاقات القائمة بين قاطنيها؛ والتنظيمات القانونية والتعليمية والتعاملات الاقتصادية والاستثمارية.
ب- منطلقات مدرسة شيكاغو الامريكية منذ عشرينيات القرن الماضي؛ والتي اشهرت هذا العلم الجديد حينها لدراسة طبيعة وخصائص العلاقات الإنسانية والمصلحية بين سكان المدن وطبيعة النظامين القانوني والبيئي المنفعي بين جميع سكانها بغض النظر عن انحدارهم العرقي او اللغوي او حتى الديني. واللذان يدرسان المدن من حيث: – تميّز “مجتمع الدراسة ” مجتمع قصبة الكرك بخصائص وسمات المجتمع المدني المعاصر رغم تاريخيته؛ استنادا لما ورد في الكتاب المحقق اعتمادا على المؤشرات الاتية بهذا الخصوص:
أولا – جغرافية المدينة الرحبة وامتداداتها العربية الحاضنة..
يقول العلامة ابن خلدون ” تتأثر طبائع الناس بجغرافية امكنتهم ” لقد مثلت جغرافية المدينة ” قصبة الكرك؛ البؤرة الأساس لامتداداتها العابرة لحدودها الإدارية والقانونية وحتى التجارية عربيا والتي وردت في الكتاب ؛ فقد مثلت ما هو أوسع كثيرا من تركيبة وتنوع سكانها المحليين؛ فهي التي ضمت في جنباتها سكانا؛ عاملين وتجار مستثمرين وموظفين؛ تنحدر خلفياتهم التاريخية من فلسطين عموما والشام والمدينة المنورة ومن مدينة القدس بصورة لافته؛ وهذه المنظومة من المعطيات انما تمثل تفردا معيشيا واضحا مقارنة مع شقيقاتها الاخريات؛ كيف لا تكون كذاك ؟. خصوصا ما هو مرتبط بعلاقاتها الغنية والعميقة معها؟ فالقدس والكرك تربطهما عبر التاريخ علاقة تؤامه؛ اذ حُررت القدس مرتين من الكرك على يد كل من القائد المسلم صلاح الدين الايوبي(1187م) بعد معركة حطين؛ كما حررها للمرة الثانية من الكرك القائد الناصر بن داود (1239). إضافة لدعم أبناء الكرك الى ثورة عبد القادر الحسيني (1936-1939) ضد البريطاني اذ كان ذلك الدعم يصل الى فلسطين حينها عبر ميناء غور الحديثة على الحافة الشرقية للبحر الميت قبيل نشوء امارة شرق الاردن عام 1921 ؛ ومن هنا يمكن فهم مبررات اختيار أهالي القدس للراحل الدكتور الاممي يعقوب الزيادين عضوا عنهم في مجلس نواب الضفتين في منتصف خمسينيات القرن الماضي؛ ترابطا مع تخصيص مصطبة الكرك في باحة المسجد الأقصى من قِبل اهل القدس ؛ مع وجود وثيقة تؤامه بين بلديتي الكرك والقدس ووجود موسم ثقافي سنوي مستمر تحت عنوان ” الكرك والقدس بُطينان في قلب واحد” في الكرك؛ ويمكن ارجاع ما سبق من شواهد الى ان البنية الذهنية والنفسية لأبناء الكرك هي عشائرية النسب عروبية إسلامية المدى منفتحة على الدوام؛ وهي التي لا تبُعد بذات الوقت أكثر من مسافة النبض عن كل من :-
قلعتها الغراء التي بناها هازم العبرانيين تاريخيا القائد ميشع المؤابي؛ وكذا النبض مع معركة مؤتة؛ أول الفتح خارج الجزيرة العربية في” السنة 8 للهجرة”. لذا؛ لا غرابة أيضا ان تتميز الكرك وأهلها بأن أطلقوا اسم “مؤاب العربية” على حكومتهم المحلية سنة 1920.
ثانيا- التنوع السكاني لمجتمع القصبة؛ حيث أكد سجل قرارات حاكم الحقوق في هذا الكتاب على وجود سكان متنوعي الأصول والمعتقدات مثل؛ شوام؛ مسيحيين؛ مسلمين؛ يهود؛ اذ كانوا يعيشون بكل تنافس على البذل والتجارة والمصالح المشتركة ما أكد ضمنا على وحدة الوجدان الجمعي فيما بينهم؛ وتحت راية القانون المدني الرسمي كما اظهر الكتاب المحقق لقرارات الحاكم؛ وكذلك الأعراف القضائية العشائرية مع الوجود القبلي في الكرك لكل من: –
الكنائس والمساجد؛ مدرسة الكرك الثانوية كأول مدرسة في الأردن منذ عام 1899 من أموال تبرع بها المسلمون والمسيحيين؛ إضافة لوجود المدرسة البطريركية اللاتينية في نفس العام تقريبا كما تأسس المستشفى الإيطالي عام 1936 كتعبير طبي وخدمي للتأخي والعيش المشترك المستدام عربا ومسلمين.
ثالثا – التراتب الاجتماعي عبر الألقاب “باشا؛ شيخ؛ حاج” ص44 .
من الطبيعي ان استنتج أكاديميا؛ بأن وجود هكذا ألقاب انما يشي باستقرار وترابط المكانات الاجتماعية والاقتصادي السلطوية بصورة أفقية وعامودية متوافق عليها كمميزة لافتة لطبيعية وتراتبية البناء التنظيمي للمجتمع المديني مؤسسيا وحضاريا بالتأكيد.
رابعا- التجارة والعمل: – تغير نوعية وتشاركية امتلاك وتأجير المواشي؛ اظهر الكتاب أنواع المواشي التي كانت موجودة في تلك السنوات مثل الماعز؛ البقر؛ الضأن – لا يوجد جمال كرمز للبداوة – ما يعني تحديدا نوعية واتجاه بنية التحولات الحضرية والاقتصادية في قصبة الكرك كمجتمع مديني فيه من مظاهر الحريات الفردية ؛والذمم المالية المستقلة لأفراده من الجنسين ؛وِتداولهم للعملات النقدية المتنوعة عِوضا عن المقايضة؛ ولعل نوعية الحيوانات المتوافرة لدى سكانها تدل على نوعية الحياة الزراعية المحدودة جدا مقارنة بالقيم والتنظيمات المدينية الحديثة . وهذا ما يؤكد ان مسيرة مجتمع الكرك قد مرت قبلا في مراحل من التطور المتنامي للمدينة؛ استناد لاطروحات ابرز نظريات علم الاجتماع الحضري وهي “الثقافات الفرعية ” التي ظهرت منذ خمسينيات القرن الماضي؛ مع ملاحظة ان الكرك هي المجتمع الوحيد الذي لا يوجد فيه أيضا؛ وصف مُخيّم رغم وجود اعداد من أهلنا الفلسطينيون يعيشون فيها.
رابعا – تنوع أنواع العملات والمكاييل” المعيارية علميا ودلالاتهما: –
ا- العُملات النقدية؛ توزع استعمالها بين الليرة الإنكليزية؛ الليرة العثمانية؛ الريال المجيدي؛ القرش التركي (ص 67) ما يعني اتباع سكان القصبة حينها الى قانون (حرية السوق- وقانون العرض والطلب) مع وجود فرع للبنك الإنجليزي في الكرك؛ وقد شهدت تأسيس أول بلدية وغرفة تجارية قبيل ظهور امارة شرق الأردن كما يؤكد كتاب ” بلدية الكرك بالوثائق الصادر (2025) للباحث وسام الجعافرة.
ب- المكاييل ؛ ان وجدود وتداول وحدات لقياس الاحجام والاطوال والاوزان للحجام والأراضي؛ مثل “الاوقية؛ الرطل؛ او مكاييل للحبوب مثل الصاع؛ والمِد؛ ص 63″ونصف مِد الخليلي؛ الذي خصص لدعم صمود الاهل في فلسطين ؛ ولا ننسى وصف التشارك في محصول الأراضي” مرابعه؛ مثلاثه ؛مناصفة ؛ بين المُلاك والمزارعين بخصوص عوائد وعقود المحاصيل المحسوبة (رياضيا ) مثل اتفاق الملاك مع المزارعين على الناتج من الأرضي المزروعة ؛ على الرُبع؛ مناصصه والتي كان معمول بها في مجتمع القصبة المدني انما يعني وجود مرجعية معيارية ورياضية متطورة تضبط وتحدد شكل التعاملات المصالحية بين أيّ مُتعاقديّن.
خامسا- المرأة شريكة وصاحبة ذمة مالية مستقلة
لقد تضمن القرارات عددا من الشواهد لأسماء نساء كركيات قمن بالأعمال التجارية ويتمتعن بذلك في ذمم مالية مستقلة بدليل قيام بعضهن بإقامة شكاوى على رجال اخرين يطالبن باستعادة ديونهن منهم .ما يؤكد ضمنا على توازن البنية الاجتماعية بين الرجال والنساء حينها .
سادسا- تنوع المهن والاختصاصات
تشير قرارات الحاكم في هذا الكتاب بوجود أنواع من المهن التي تحتاج الى متعلمين وأصحاب خبرات كانت تعتمد عليهم المحكمة مثل: – المحامون؛ المهندسون؛ موظفو البلدية بتنوع أعمالهم؛ خبراء متخصصون كانت تستعين المحكمة بخبراتهم اثناء التقاضي؛ المالكون الخبراء في شؤون التحكيم بين المتخاصمين في القطاع الزراعي والحيوانات او أجور العقارات نقديا وحدود الأراضي المُختلف عليها فيما بين المتعاقدين وكل ها نظرت فيها المحكمة وأصدرت قرارات قضائية بخصوصها.
أخير..
وبعيدا عن التصنيفات الإدارية لقصبة الكرك الواردة في هذا الكتاب؛ يمكن الاستنتاج العلمي انها كانت تمتلك جميع شروط ومؤشرات المدينة المنفتحة على العالم منذ ذلك التاريخ مع ملاحظة ان شروط قيام المجتمع المدني المعاصرة كمفهوم وانماط حياة وهي: –
– تنشئة اجتماعية وإنسانية منفتحة لدى الآباء نحو الأبناء على قبول الاخر انطلاقا من اسرهم.
– حِس منفعي مدني ومعياري كمي بين عدد من الافراد تجمعهم مصالح اقتصادية او مطلبية معينة بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية او الدينية.
– مؤسسات مجتمع مدني؛ وقد كانت قائمة وفاعلة في مجتمع قصبة الكرك مثل الجمعيات التطوعية والخيرية؛ واتحادات أهلية مثل الغرفة التجارية؛ البلدية.. الخ.
لذا؛ يمكنني الجزم علميا ان قصبة الكرك قد مثلت وحققت جراء تمثل سكانها كل قيم وسلوكيات المجتمع المدني بحرياته ومبادراته الفردية وبصورة ريادية وسابقة تاريخيا على مستوى الأردن الحبيب؛ أي منذ (1919- 1922) استنادا لِما تضمنه هذا الكتاب الموثوق؛ اذ جسد سبقا وعيشا حياتيا تاريخي متفرد وناجز؛ أقول اظهر تمثل الكرك القبلي لاطروحات المجتمع المدني وقيم المواطنة المحمية بالقانون حينها؛ قبل ان يعمم كمفهوم معاصر أي ما عُرف حديثا ب” المجتمع المدني” وبدعم ايدلوجي وتكنولوجي عالمي وعولمي بُعيد تسعينيات القرن العشرين في ظل سيادة القطب الواحد الحالي وبالضد من الأفكار الشمولية بُعيد سقوط الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه اثناء ثنائية الحرب الباردة .
أخيرا..
أن هذه الاطروحة الاستنتاجية المستلهمة والمكثفة من قِبلي لهذا الكتاب الثري؛ لن تُغني ابدا عن قراءة ومحاورة مضامينه وآفاقه العلمية الرحبة وبالتي هي أنفع وأوثق.. وأمل اننا فاعلون.

