أخبار

الكرك حين تتحوّل الجغرافيا إلى تاريخٍ من الرجولة يتداوله أبناء الوطن

الكرك حين تتحوّل الجغرافيا إلى تاريخٍ من الرجولة يتداوله أبناء الوطن


جو 24 :

في زمن تتسارع فيه التحولات وتتبدّل فيه القيم، تبقى بعض المدن عصيّة على التغيير ، لأنها لم تُبنَ بالحجر فقط، بل شُيّدت بالرجولة والمواقف. وتأتي مدينة الكرك ورجالها في مقدمة هذه المدن، بما تحمله من تاريخ عريق لا ينسى ، ودور وطني وإنساني متجذّر في الذاكرة الأردنية والعربية حتى أصبحت الكرك بوصفها أكثر من بقعة من جغرافيا ، بل هوية أصيلة وتاريخًا من الصمود.

ليست الكرك مجرد مدينةٍ أردنيةٍ عريقة، بل وثيقة تاريخية حيّة، تختصر حكاية الرجولة العربية في أنقى صورها، وتقدّم نموذجًا لمدينةٍ صاغت الرجال قبل أن تُشيّد القلاع. فمنذ أن ارتفعت على هضاب الجنوب، والكرك تؤدي دورها بوصفها حصنًا للكرامة ، وذاكرةً للمقاومة، وعنوانًا ثابتًا للأصالة والمواقف الثابتة .

عرفت الكرك في كتب التاريخ بوصفها إحدى أهم المدن الاستراتيجية في المشرق العربي، وقد تعاظمت مكانتها مع بناء قلعة الكرك في القرن الثاني عشر الميلادي، التي شكّلت مركزًا عسكريًا وسياسيًا بارزًا خلال الحروب الصليبية والعصور الإسلامية اللاحقة. ولم تكن القلعة مجرد بناء دفاعي، بل كانت مركز قرار، وشاهدًا على صراع الإرادات بين الاحتلال والتحرر، وعلى ثبات أهل المدينة في وجه التقلبات العاصفة .

وخلال العهد العثماني، برزت الكرك بوصفها مدينةً عصيّة على الخضوع، وسجّل التاريخ مواقف لأهلها في رفض الظلم والضرائب المجحفة، في صورةٍ تؤكد أن الرجولة في الكرك لم تكن ردّة فعل مؤقتة أو آنية ، بل نهج حياة متوارث من الأجداد والاباء والابناء . فقد ارتبط اسم الكرك دائمًا بالموقف الصلب، والكلمة التي لا تُنكث، والانحياز الفطري للعدل والعدالة .

أما في التاريخ الأردني الحديث، فقد شكّلت الكرك ركيزةً أساسية في مسيرة بناء الدولة، وقدّم أبناؤها تضحيات مشهودة في صفوف الجيش العربي، وفي الدفاع عن فلسطين، وفي مختلف ميادين العمل الوطني. ولم تكن هذه التضحيات استثناءً، بل امتدادًا طبيعيًا لإرثٍ طويل من الإيمان بالأرض، والانتماء الصادق، والاستعداد الدائم للدفاع عن الكرامة.

ويتميّز المجتمع الكركي ببنيةٍ اجتماعية متماسكة، تقوم على النخوة، والتكافل، وتحمل المسؤولية الجماعية. فما زالت القيم الأصيلة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية؛ الكلمة عهد، والجار سند، والضيف أمانة، والوقوف مع المظلوم واجب لا يُؤجَّل. وفي الكرك، تُقاس الرجولة بالفعل لا بالادعاء، وبالموقف لا بالشعار .

إن فرادة الكرك لا تكمن في تاريخها وحده، بل في قدرتها على تحويل التاريخ إلى وعيٍ حيّ لا ينسى ، وعلى غرس معاني الانتماء الحقيقي في وجدان أبنائها. فهي مدينة تستمد من ماضيها قوة الحاضر، وتؤمن أن الوطن مسؤولية أخلاقية وقوة الفكرة تاريخ واساس يبنى قبل أن يكون حدودًا مرسومة على الخرائط .

وفي زمنٍ تتآكل فيه المعاني، تبقى الكرك ثابتةً كصخورها، عاليةً كقلعتها، صادقةً كرجالها. مدينة لم تخن تاريخها، ولم تساوم على رجولتها، وستظل، ما بقيت، شاهدًا حيًا على أن الأصالة حين تسكن المدن ، تتحوّل إلى هوية لا تزول .وذكرى مدينة لا تموت .



Source link

السابق
مستجدات الساعات الأخيرة بإيران – سواليف
التالي
العلاج خطوة أساسية لإعادة دمج المرضى في المجتمع