أخبار

من حكاية شعبية إلى درس في سقوط السلطة المستبدة

من حكاية شعبية إلى درس في سقوط السلطة المستبدة


جو 24 :

 ملخص الحكاية

تروي الحكاية، التي نشرتُ تفاصيلها في صفحتي على
“الفيسبوك” اليوم، قصة سائق سيارة أجرة في خمسينيات القرن الماضي كان
يعمل على خط عمان الخليل امتلك لحظة سلطة داخل مركبته، فأساء استخدامها حين أجبر
الركاب في الكرسي الخلفي على تحمل مزيد من الركاب اكثر من العدد المقرر تحت حرّ
الصيف، وهدد أحدهم ب”مفتاح الجنط” عندما اعترض. في اليوم التالي، وجد
السائق نفسه موقوفًا أمام المحكمة ليكتشف أن الرجل الذي أُهين بالأمس هو ذاته
القاضي الذي يملك اليوم سلطة الحكم. خلال يوم واحد فقط، انتقل “مفتاح الجنط”
(مفتاح القوة) من يدٍ إلى أخرى، فانقلبت المواقع وبقي الدرس
.

هذه الحكاية البسيطة تختصر منطقًا إنسانيًا وسياسيًا
عميقًا: لا سلطة تدوم، ولا مركز يستقر، ولا قوة تبقى على حالها. ما يتغير ليس
الأشخاص بالضرورة، بل المواقع، ومع تغيّر المواقع تتبدل اللغة، وتنكشف الأوهام
.

يميل الإنسان، حين يستقر في موقع نفوذ أو جاه أو منصب،
إلى الاعتقاد—ولو خفيًا—أن ما بين يديه ثابت ودائم، وأن القوة او السلطة التي يمتلكها اليوم ستبقى غدًا. غير
أن التجربة الإنسانية، من أبسط تفاصيل الحياة اليومية إلى مسار الدول
والإمبراطوريات، تثبت عكس ذلك تمامًا. فالسلطة ليست قيمة أخلاقية ثابتة بحد ذاتها،
بل أداة مؤقتة، واختبار للوعي وضبط النفس وحسن التصرف والإدارة.

هذه القاعدة لا تنطبق على الأفراد فقط، بل على الدول
الكبرى قبل غيرها. فغطرسة القوة هي الوجه الآخر لوهم الديمومة، وهي التيتحكم سلوك
الولايات المتحدة الآن في عهد دونالد
ترامب، حين جرى التعامل مع القوة العسكرية والاقتصادية بوصفها أداة تهديد وابتزاز
لا وسيلة استقرار أو شراكة. التهديد بالغزو، والعقوبات، والاختطاف السياسي،
والتعامل الفج مع دول ذات سيادة، كما حدث مع فنزويلا، والتهديد المستمر لكوبا
وكولومبيا وغرينلاند وإيران وغيرها والدعم غيرالمحدود لدولة الإحتلال الصهيوني ،
لم تكن تعبيرًا عن قوة واثقة ومتزنة ومتعقلة، بل عن عقلية تتصرف كما لو أن النظام
الدولي ملكية خاصة، ومن يعترض يُقصى أو يُعاقَب
.

وتجلّت هذه الغطرسة أيضًا في انسحاب الولايات المتحدة
من عشرات المنظمات الدولية، كثيرٌ منها يشكّل العمود الفقري لتقديم الخدمات
الأساسية للدول الفقيرة والشعوب الهشّة. فالانسحاب من منظمة الصحة العالمية،
واليونيسيف، واليونسكو، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين، وغيرها من الأطر الأممية، لم
يكن مجرد خلاف إداري أو مالي، بل قرارًا سياسيًا عقابيًا، استُخدمت فيه القوة
المالية لمعاقبة المنظومة الدولية عبر أضعف حلقاتها. لم تُعاقَب هذه المؤسسات بقدر
ما عوقبت الشعوب التي تعتمد عليها في الصحة والتعليم والحماية الإنسانية، في تعبير
صارخ عن عقلية ترى التضامن الدولي عبئًا لا مسؤولية
.

والمنطق ذاته يتكرر، بحدة أشد ووقاحة أكبر، في سلوك
حكومة بنيامين نتنياهو. فالعدوان المتواصل على غزة، والتدمير الشامل للبنية
المدنية، والعقاب الجماعي، والانتهاكات اليومية في الضفة الغربية، إلى جانب
الاعتداءات المتكررة على سوريا ولبنان وتهديد دول الجوار، كلها تعكس عقلية واحدة:
عقلية من يعتقد أن “المفتاح” باقٍ في يده، وأن ميزان القوة لن ينقلب
مهما طال الزمن
. غير أن هذا الاعتقاد هو أخطر أشكال العمى
السياسي والإستراتيجي.

أثر العربدة السياسية على النظام الدولي

إن أخطر نتائج هذه السياسات لا تكمن فقط في الدمار
المباشر، بل في التخريب المنهجي لبنية النظام الدولي ذاته. فعندما تتصرف قوى كبرى،
أو حلفاؤها المحميّون سياسيًا وعسكريا وإقتصاديا، وكأن القانون الدولي خيار
انتقائي لا قاعدة ملزمة، فإنها تقوّض الأساس الذي قامت عليه منظومة ما بعد الحرب
العالمية الثانية. هذا السلوك لا يضعف الخصوم بقدر ما يفضح ازدواجية المعايير،
ويُفرغ مفاهيم السيادة وحقوق الإنسان من مضمونها، ويحوّل المؤسسات الدولية إلى
واجهات عاجزة أو أدوات مسيّسة. وبدل أن تنتج هذه السياسات ردعًا أو استقرارًا،
فإنها تدفع دولًا كثيرة إلى الشك بشرعية النظام القائم، والبحث عن بدائل خارجه،
عبر سباقات تسلح، أو تحالفات صدامية، أو سياسات كسر القواعد. وهكذا، يتحول العالم
إلى ساحة أقل انتظامًا وأكثر خطورة، حيث يسود منطق الإكراه بدل التوافق، ويصبح
انتقال “المفاتيح” أكثر عنفًا وكلفة، بما في ذلك على من ظنّوا يومًا أن
تفوقهم العسكري والإقتصادي يمنحهم حصانة دائمة من قوانين التاريخ
.

إن ما يجمع بين تجربة ترامب وسلوك نتنياهو ليس اختلاف
السياق، بل وحدة المنهج: التهديد والوعيد، والهيمنة والسيطرة على الغير، والقوة
العارية بدل الشرعية. وهذا المنهج، كما يعلّمنا التاريخ، لا يؤسس لبقاء طويل، بل
يسرّع لحظة التراجع، ويتناقض مع سنن الله ونواميس عدله تصديقا لقوله تعالى في سورة
هود:”وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ
إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ”.

الخاتمة: فلسطين بوصفها اختبار المفاتيح

إن فلسطين ليست قضية إنسانية عابرة في سجل النظام
الدولي، بل هي الامتحان الأكثر فجاجة لمصداقيته، والمرآة التي تنعكس عليها كل
ازدواجية المعايير وكل غطرسة القوة. فما يجري في غزة، وما يُمارس في الضفة
الغربية، وما يُبرَّر سياسيًا وإعلاميًا تحت ذرائع الأمن والفاع عن النفس، يختصر
منطق “مفتاح الجنط” حين يُرفع بلا وازع: من يملك القوة يظن أن العدالة غائبة او مؤجلة، وأن التاريخ صامت. غير أن
التجربة تثبت أن فلسطين، رغم الكلفة الهائلة التي يدفعها شعبها، كانت دائمًا
العامل الكاشف لانكسار هذا الوهم، وأنها ستبقى عنوانًا لانتقال المفاتيح لا
لخلودها
.

على الرأي العام العربي أن يدرك أن الدفاع عن فلسطين
ليس موقفًا عاطفيًا، بل استثمارًا أخلاقيًا وسياسيًا بل وجوديا في مستقبل المنطقة ومكانتها، وأن
الصمت أو التكيف مع الظلم لا يوفّر حماية، بل يرسّخ الهشاشة والإنكسار. أما النخب
السياسية العربية، فهي مطالبة بأن تتعامل مع فلسطين بوصفها ورقة قوة استراتيجية في
لحظة تآكل الهيمنة، لا عبئًا يجب التخلص منه. ففي عالم تتبدل فيه الموازين، يصبح
الانحياز للحق، لا للقوة، هو الرهان الأكثر عقلانية. ومن يخطئ قراءة هذه اللحظة،
سيكتشف متأخرًا أن المفاتيح تغيّرت، وأنه وقف في الصف الخاطئ من التاريخ
.

 



Source link

السابق
“الشرق الأوسط” تستهل احتفالاتها بمناسبة عيد ميلاد جلالة الملك في حفلٍ مهيب
التالي
مستجدات الساعات الأخيرة بإيران – سواليف