أخبار

د. عبدالرزاق بني هاني يكتب .. السيارة مش عم بتمشي: الحاجة إلى تشريح العطب العام

د. عبدالرزاق بني هاني يكتب .. السيارة مش عم بتمشي: الحاجة إلى تشريح العطب العام


#سواليف

#السيارة مش عم بتمشي: الحاجة إلى #تشريح_العطب_العام
د. #عبدالرزاق_بني_هاني
إهداء إلى صديقي #عدنان_الروسان

في بلاد الشام، حين يقول الناس السيارة مش عم بتمشي، فهم لا يصفون عطلاً ميكانيكياً عابراً، بل يختصرون #حالة_عامة باتت مألوفة إلى حدّ الاعتياد. العبارة، ومعها شقيقاتها بدها دفشة، ومسوكجة، والمحرّك معطوب، خرجت من الورش والأزقة لتتحول إلى قاموس سياسي واجتماعي كامل، صاغه الشارع بذكاء موجع، قبل أن تتجرأ النخب على الاعتراف به.
القصة ليست قصة ظرف طارئ، ولا أزمة عابرة يمكن تجاوزها بخطاب مطمئن أو إجراء إسعافي. نحن أمام حال من التراجع المتراكم في الأداء الاقتصادي، واختلال في توزيع الفرص، وتآكل في الثقة العامة، وتناحر محموم على الوظائف والمناصب، يرافقه ضجيج لا ينتهي من القيل والقال والمنابزات، حتى بات الصوت أعلى من الفعل، والحركة أضعف من الكلام.
الاقتصاد الذي لا يمشي ليس اقتصاداً بلا موارد، بل اقتصادٍ بلا جرّ ذاتي. الموارد موجودة، والطاقات البشرية حاضرة، لكن آليات التحويل معطلة. الجهد لا يتحول إلى قيمة، والتعليم لا يفضي إلى عمل، والخطط لا تغادر الورق. يُطلب من الناس الصبر، فيما تُدار الأزمات بدلاً من حلّها، وتُكافأ القلة على القرب لا على الكفاءة. في مثل هذا السياق، يصبح الجمود سياسة غير معلنة، لكنها فعّالة في حماية توازنات قائمة على البطء.
وحين يتعطل السير، يأتي الحل الجاهز: بدها دفشة. والدفشة هنا لم تعد حلاً مؤقتاً، بل تحولت إلى فلسفة إدارة كاملة. دفشة من الدولة، دفشة من الخارج، دفشة بالعلاقات والاستثناءات. لا نظام يعمل وحده، ولا مؤسسة تُترك لتؤدي وظيفتها الطبيعية. كل شيء يحتاج إلى دفع يدوي، إلى واسطة، إلى تدخل فوقي. ومع الوقت، يفقد المجتمع إحساسه بأن الحركة حق، ويبدأ بالتعامل معها كمنّة تُمنح وتُسحب.
هذا النمط لا يقتل المبادرة فقط، بل يخلق اقتصاد انتظار، ويحوّل الناس إلى طوابير صامتة، تتنافس لا على الإنتاج، بل على موقع أقرب إلى مصدر الدفش. الأسوأ أن الدفشة تُوزّع بانتقائية، فتتحول من أداة إنقاذ إلى أداة ضبط اجتماعي، تُبقي الجميع في حالة حاجة دائمة.
ثم تأتي المسوْكجة. والفرامل المشدودة ليست توصيفاً ساخراً فحسب، بل صورة دقيقة لإدارة عامة تخاف من الحركة. قوانين تتراكم، إجراءات تطول، وقرارات تُؤجَّل باسم السلامة. الخوف من الخطأ صار أقوى من الرغبة في الإنجاز. كل مبادرة تُقابل بسؤال: من يضمن؟ لا: كيف نُنجح؟ وهكذا تُشدّ الفرامل حتى تتآكل العجلات، ويُطلب من الناس لاحقاً أن يتحملوا كلفة التعطيل الذي لم يصنعوه.
غير أن الخطر الحقيقي يظهر حين نصل إلى الجملة الأثقل: المحرّك معطوب. هنا لا يعود الحديث عن تفصيل إداري أو خلل مؤقت، بل عن عطب بنيوي في القلب نفسه. تعليم منفصل عن السوق، اقتصاد منفصل عن الإنتاج، وسياسة منفصلة عن المجتمع. والخطاب عام يَعِد أكثر مما يشرح، ويُسمّي أكثر مما يُنفّذ. وطاقات هائلة تُهدر، لا لغيابها، بل لعجز النظام عن استيعابها وتحويلها إلى حركة فعّالة.
في سيارة لا تمشي، يتحول الداخل إلى ساحة صراع. التناحر على المقاعد يسبق التفكير بالطريق. والوظيفة تُرى كملاذ لا كمسؤولية، والمنصب كغنيمة لا كتكليف. ومع شحّ الفرص، يعلو منسوب الشك، وتزدهر المنابزات، ويُستبدل النقاش الجاد بالتشكيك والتخوين. والضجيج يملأ المكان، لكن السيارة تبقى في موقعها.
ومع غياب الحركة، يتكاثر الكلام. وتحليلات لا تُترجم إلى سياسات، ونقد لا يفضي إلى محاسبة، ووعي عام يُستنزف في الجدل بدل أن يُستثمر في الفعل. ويصبح الكلام بديلاً عن التغيير، والتنظير تعويضاً نفسياً عن العجز. لا لأن الناس لا تفهم، بل لأن القنوات بين الفهم والفعل مسدودة.
المفارقة أن الاستعارة الشعبية، بكل بساطتها، أكثر صدقاً من كثير من التقارير. فهي لا تزيّن الواقع، ولا تبحث عن أعذار. تقول بوضوح: السيارة لا تتحرك، والدفش لم يعد كافياً، والفرامل مشدودة، والمُحرّك يحتاج إلى إصلاح جذري، لا إلى طلاء جديد.
الخيار بات واضحاً: إما فتح الغطاء، والاعتراف بالعطب كما هو، والشروع في إصلاح يعيد الحركة الذاتية للاقتصاد والإدارة والمجتمع، أو الاستمرار في دفش سيارة متوقفة، إلى أن يعتاد الناس الوقوف، ويبدأوا بتبريره، وربما الدفاع عنه. عندها، لا تعود المشكلة أن السيارة مش عم بتمشي، بل أن أحداً لم يعد يريدها أن تمشي أصلاً !!!

  • Untitled 34



المصدر

السابق
وفاة و18 إصابة إثر حادث تصادم بين 11 مركبة في المفرق
التالي
الموسم المطري يتجاوز 60% من المعدل السنوي