جو24- ترجمة – هآرتس *
هل يحضّر نتنياهو لـ “مفاجأة أكتوبر” أمنية في محاولة للتأثير على نتائج الانتخابات؟ يبدو وفقاً لسيل التصريحات والتسريبات الصادرة عنه، أن الفكرة قيد الفحص من قبل مقربيه.
وضع حزب الليكود في الاستطلاعات غير مبشر. باستثناء عدد قليل من مؤسسات الاستطلاعات الموثوقة التي تميل إلى تغيير تقييماتها وفقا لما يخدم مصالح نتنياهو، تتوقع معظم وسائل الإعلام في أفضل الحالات نتيجة متقاربة بين الكتلتين (لأن نتنياهو حقق نجاحاً واحداً مهماً، وهو حملة نزع الشرعية التي شنها ضد الأحزاب العربية، التي أدت إلى استبعادها من صفوف المعارضة). هدفه الرئيسي في ظل هذه الظروف واضح تماماً: فرض شلل سياسي، ما يسمح له في الاستمرار برئاسة حكومة انتقالية حتى جولة انتخابية أخرى. وفي الوقت نفسه، قد يفكر في ضم أحزاب المعارضة إلى حكومة وحدة وطنية.
مع ذلك، وجود أجندة عسكرية، لا سيما حالة طوارئ أمنية على جبهة أو أكثر، قد يقلب الموازين. وفي أسوأ الحالات، قد يؤدي ذلك إلى تأجيل الانتخابات لأشهر. لا يملك نتنياهو شيئاً يخسره؛ فهو يرى الفشل في الانتخابات وفقدان السلطة كارثة، ليس فقط على البلاد أو حزبه، بل عليه شخصياً بالدرجة الأولى.
انطباع من تحدثوا معه في السنوات الأخيرة يفيد بأن رئيس الحكومة على قناعة بأن فقدانه للسلطة سيؤدي بالتأكيد إلى إدانته في محاكمته الجنائية، وأنه سيواجه خطر السجن رغم تقدمه في السن، خلافاً لتوقعات الكثير من المحللين القانونيين الذين يرون أنه سيتم التوصل إلى صفقة معه في مثل هذه الحالة.
إذا كان هناك استنتاج واضح من سلوك نتنياهو وتصريحاته في هذا الوقت فهو أنه لا يمانع في استخدام أي وسيلة. لا توجد خدعة أو تلاعب أو كذبة سيرفضها تلقائياً إذا زادت المسافة بينه وبين زنزانة سجن معسياهو.
في الأسابيع الأخيرة، كان نتنياهو دائم الإشارة إلى خطر تصاعد التوتر الأمني. وأول أمس، ادعى أيضاً أن هناك مؤشرات متزايدة على أن أعداء إسرائيل يخططون لشيء ما عشية الانتخابات. من جهة أخرى، أفاد براك ربيد، مراسل القناة 12 في واشنطن، أن نتنياهو ناقش مع ترامب إمكانية شن إسرائيل هجوماً على إيران وحدها أو بالتعاون مع الولايات المتحدة، وأن الرئيس طلب من نتنياهو الاستعداد لهذا السيناريو، ولكنه لم يعطه الضوء الأخضر.
وصرح رئيس الأركان إيال زامير، الثلاثاء، أثناء زيارته لقيادة المنطقة الوسطى، بأن احتمالية تصاعد التوتر في المنطقة ازدادت، “بسبب ارتفاع عدد حالات التأهب في كل المجالات وحساسية الوضع الراهن”. وقد تم رفع حالة التأهب في الجيش الإسرائيلي مؤخراً واتخذت خطوات تحضيرية أولية.
أما ترامب نفسه، الذي ألغى الهجوم الذي خططت له بلاده على إيران في اللحظة الأخيرة في بداية شهر آب وفضل فرض عقوبات اقتصادية، فقد عاد هذا الأسبوع ليتخذ موقفاً ينم عن تهديد واضح. ولا يخفي الرئيس الاستياء من الحرب في إيران رغم أنها تشن حالياً في معظم الأحيان بوتير هادئة نسبياً. حتى قبل فترة قصيرة، كان يميل إلى تجنب أي هجوم، على الأقل حتى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، التي ستجرى بعد أسبوع من انتخابات الكنيست. وإلى جانب الإحباط الناتج عن عجز الولايات المتحدة عن حسم الحرب وفرض اتفاق مليء بالتنازلات على المرشد الأعلى الجديد في إيران مجتبى خامنئي، يلوح في الأفق قلق بشأن معلومات استخبارية تراكمت مؤخراً حول انخراط طهران المتجدد في جوانب عديدة تتعلق بالمشروع النووي وصناعة الصواريخ البالستية.
لكن نتنياهو، للمرة الثانية، يفسر المعلومات الاستخبارية بما يخدم أهدافه السياسية، ويشير تحقيق أجرته “هآرتس” مع عدد من المصادر الأمنية إلى عدم وجود ضرورة ملحة لاتخاذ إجراء فوري في الـ 11 يوماً المتبقية على الانتخابات الإسرائيلية. وفي ظل هذه الظروف، تعتمد التطورات اللاحقة بشكل أساسي على شخصيتين لا يمكن شن أي هجوم من دونهما، ترامب وزامير.
يحافظ ترامب على مسافة معينة من نتنياهو، وقد امتنع حتى الآن عن إعلان دعمه له علناً عشية الانتخابات الإسرائيلية. ربما يعود هذا أيضاً إلى خيبة أمله من فشل توقعات نتنياهو بشأن فرص إسقاط النظام في إيران (التي أعلنت بشكل رئيسي خلال لقائهما في البيت الأبيض في 11 شباط). مع ذلك، يصعب تجاهل النفوذ الكبير الذي كان يتمتع به نتنياهو على ترامب إلى أن تعقدت الحملة الأخيرة في إيران.
أما زامير فقد عرف في حينه كيفية تأجيل مطالب نتنياهو وحكومته عندما لا تروق له، وذلك في صيف 2025. في ذلك الحين، ضغط رئيس الحكومة من أجل احتلال شمال القطاع بدلاً من المضي قدماً في صفقة الرهائن الأخيرة، والباقي معروف: نتنياهو رغم معارضة قادة المؤسسة الأمنية، أمر بعملية اغتيال ضد قادة حماس في قطر، فشلت العملية وغضب ترامب، وبعد شهر أجبر نتنياهو على التوصل إلى اتفاق نهائي. لم يكن هذا ليحدث لولا موقف زامير وتحركاته على الأرض لتأجيل العملية العسكرية.
تكمن المشكلة بأن خياره في إيران ثنائي، صفر أو واحد، وتأجيل الإجراءات لن يساعد. فإذا صدرت توجيهات من الحكومة بالهجوم واعتقد زامير أن الدافع ليس سوى الخوف من خسارة الانتخابات، فسيتعين عليه التصريح بذلك علناً واتخاذ خطوات لم يسبقه إليها أي رئيس أركان. يجد رئيس الأركان نفسه في موقف حرج جداً في هذه المسألة.
قد يبقى خيار العمل العسكري في إيران متاحاً حتى بعد الانتخابات. ففي أيار 2021، في عملية “حارس الأسوار”، تصاعد التوتر في قطاع غزة في مرحلة تنافس فيها نتنياهو مع نفتالي بينيت ويئير لبيد على تشكيل حكومة جديدة بعد حملة انتخابات أخرى انتهت دون حسم. إن أحداث فوضى أمنية في حالة عدم حسم النتائج سيصعب على غادي آيزنكوت وبينيت تشكيل ائتلاف جديد، لا سيما إذا كان يعتمد على الأحزاب العربية، حتى مع وجود دعم غير علني من الخارج.
في غضون ذلك، يتصاعد العنف في الضفة الغربية، لا سيما خلال موسم قطف الزيتون، حيث لا يمر يوم دون هجمات عنيفة لمستوطنين متطرفين على المزارعين الفلسطينيين. ويظهر الجيش، من رئيس الأركان إلى أدنى المستويات، عجزاً كاملاً عن كبح جماح العنف، وهو ما يبرز ضعفه في هذا الشأن. أيضاً تتواطأ الشرطة و”الشاباك” وجهاز منسق أعمال الحكومة في “المناطق” [الضفة الغربية] مع هذا الوضع المشين. وليس ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الأجواء في الضفة الغربية وشرقي القدس ستهدأ قبل الانتخابات. بل على العكس، من المرجح أن يعتقد البعض بأنهم توصلوا إلى فكرة عبقرية: إشعال حريق متعمد واسع في المنطقة على أمل أن يؤثر هذا على التحركات في الساحة السياسية.
قنبلة يدوية عشية الانتخابات
تبدو دعوى التشهير التي قدمها رئيس “الشاباك” السابق رونين بار ضد نتنياهو الثلاثاء، والوثائق المرفقة بها، بمثابة خطوة تمهيدية نحو تشكيل لجنة تحقيق رسمية في المستقبل. وهذا بالتحديد ما يحاربه نتنياهو بكل الطرق، يومياً، منذ 7 أكتوبر.
للمرة الأولى، عرض بار بتفصيل دقيق التحذيرات التي وجهها لنتنياهو خلال سنتين تقريباً، من تشرين الثاني 2022 بعد فوز نتنياهو في الانتخابات وقبل تشكيل حكومة اليمين برئاسته، وحتى بداية تشرين الأول 2023. وعدد بار أكثر من عشرين مرة، التي أشار في معظمها إلى الحاجة إلى ضرورة التعامل بحزم مع حماس في قطاع غزة. ولم يكن بار الوحيد الذي حذر نتنياهو.
بعض التفاصيل المذكورة في الدعوى تثير القلق. فحسب بار، رفض نتنياهو وثيقة تخطيط استراتيجية قدمها لها في تموز 2023 تشمل توصيات للمس بقيادة حماس، مدعياً أن رئيس الجهاز قد توغل في منطقة ليست تحت سيطرته، وأنه بذلك ينتهك المبادئ الديمقراطية الأساسية. وفي مناسبة أخرى، حسب بار، أعرب رئيس الحكومة عن قلقه من استئناف عمليات التصفية خشية أن يؤدي ذلك إلى محاولات لاستهدافه هو وعائلته. وحسب بار، كانت هناك “عناصر في الحكومة” تؤيد نقل السيطرة على المدن الفلسطينية في الضفة الغربية لحماس بدلاً من السلطة الفلسطينية.
الصورة العامة المستخلصة من الوثائق والمدعومة باقتباسات وتواريخ مفصلة، تعكس لامبالاة نتنياهو وتجاهله للخطر الذي تشكله حماس، رغم التحذيرات التي حصل عليها. وتقوض ادعاء أنصار نتنياهو بشأن الرسائل الأربع التي أرسلها رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية، العميد عميت ساعر، عشية الحرب، والتي بحسبها تركزت التحذيرات على حزب الله والجبهة الشمالية.
تم تقديم دعوى بار رداً على تغريدة نشرها نتنياهو على صفحته في “اكس” في 28 أيلول الماضي، هاجم فيها بار بشدة وألمح إلى نظريات مؤامرة حول خيانة داخلية في “الشاباك” عشية السابع من اكتوبر. وحسب بار، كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير، بعد أن تجاهل الكثير من الافتراءات من نتنياهو وعائلته ومساعديه في السنوات الأخيرة. مع ذلك، لا يمكن تجاهل التوقيت. لقد ألقى بار قنبلة في الساحة عشية الانتخابات، وذلك في الوقت الذي كان فيه رئيس الحكومة ينفي أي مسؤولية عن الكارثة. وتجدر الإشارة إلى أن بار استقال من منصبه قبل أكثر من سنة واعترف علناً بأخطائه.
بعد مرور سنتين تقريباً على نشر بار بيلغ لتقريره في “هآرتس”، الذي أشار فيه على الأقل إلى تدخل قطر في الدائرة المقربة من رئيس الحكومة، ما زال نتنياهو يدعم رجاله بشكل كامل. لم يكن هذا أسلوبه في الفضائح السابقة عندما كان يختار أحياناً الابتعاد عن المقربين منه ومساعديه المشتبه فيهم بالتورط في نشاطات إجرامية. يبدو أن هامش إنكاره هذه المرة محدود. وبدأ نتنياهو يراهن على تحقيق تعادل سياسي، ولا يمكنه تحمل حدوث أزمة في حزبه قبل المرحلة الأخيرة من الانتخابات. مع ذلك، فإن دعوى بار القضائية والتسريبات من حسابات أوريخ المخترقة والخلافات المستمرة حول التحذيرات التي حصل عليها نتنياهو عشية 7 أكتوبر، تجعل الهجوم قضية رئيسية، ومشكوك فيه أن هذا الوضع يخدم الائتلاف الحاكم.
