أخبار

الزيتون وعقدة الاستيطان… لماذا تخشى إسرائيل شجرة لا تحمل سلاحاً؟


جو24- * من غصن الزيتون الذي رفعه ياسر عرفات أمام الأمم المتحدة عام 1974 إلى أشجار أبو فلاح المحترقة عام 2026… اثنان وخمسون عاماً من الصراع على الأرض والهوية والذاكرة الفلسطينية، فهل أصبح اقتلاع الزيتون وسيلة لاقتلاع الإنسان من وطنه؟

كتب زياد فرحان المجالي –

في الثالث عشر من تشرين الثاني عام 1974، وقف الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأطلق عبارته التاريخية التي اختزلت مأساة شعب يبحث عن وطن وسلام: «جئتكم حاملاً غصن الزيتون وبندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي. أكرر: لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي».

لم يكن عرفات يتحدث عن شجرة عابرة، بل عن وطن تختزن أشجاره ذاكرة شعب وجذور حضارة. ولم يكن يدرك أن غصن الزيتون الذي رفعه رمزاً للسلام سيصبح، بعد اثنين وخمسين عاماً، شاهداً على اعتداءات تستهدف الأشجار وأصحابها في الضفة الغربية. وكأن التاريخ يعيد طرح السؤال بصورة أكثر إيلاماً: لماذا يخشى المشروع الاستيطاني شجرة زيتون أكثر مما يخشى خطاباً سياسياً؟

الزيتون… حين تتحول الشجرة إلى وثيقة ملكية

في فلسطين، ليست شجرة الزيتون مجرد محصول زراعي، وإنما سجل تاريخي حي، وجذر ممتد في الأرض، وشاهد على أجيال تعاقبت فوق التراب نفسه. إنها ذاكرة العائلة الفلسطينية، وامتدادها الاقتصادي والاجتماعي، وعلامة من علامات ارتباط الإنسان بأرضه.

وهنا تتجلى عقدة الاستيطان: فالمستوطنة يمكن أن تُقام خلال أشهر، لكن شجرة زيتون معمّرة تختزن في جذورها تاريخ أجيال سبقت قيامها. إنها مفارقة بين مشروع يسعى إلى تغيير الجغرافيا، وشجرة تشهد على استمرارية الوجود الفلسطيني.

ولهذا فإن اقتلاع الزيتون لا يعني خسارة محصول زراعي فحسب، بل يحمل، في سياق الاعتداءات المتكررة، دلالة أعمق تتعلق بإضعاف الصلة بين الإنسان وأرضه. فالشجرة التي تحتاج عقوداً لتنمو وتثمر لا تعوضها تعويضات مالية، لأنها جزء من ميراث عائلي وذاكرة جماعية.

أبو فلاح… حين يتحول موسم الزيتون إلى مواجهة مسلحة

المشاهد التي نقلتها التغطيات التلفزيونية من قرية أبو فلاح، شمال شرقي رام الله، تختصر جانباً مؤلماً من هذه المعادلة.

مزارعون خرجوا مع ساعات الصباح لقطف ثمار زيتونهم، فإذا بهم أمام مجموعات من المستوطنين تتحرك بين التلال، وحرائق تشتعل في الأراضي الزراعية، وتصاعد للتوتر انتهى بإطلاق نار حي وفق رواية المراسل الميداني، الذي اضطر مع زملائه إلى الابتعاد حفاظاً على سلامتهم.

والأكثر إثارة للقلق ما وصفته التغطية من وصول قوات إسرائيلية إلى المنطقة دون تدخل فعّال ظاهر لحماية المزارعين، وهو مشهد يفتح أسئلة جدية بشأن مسؤولية الجيش عن أمن المدنيين.

فحين يصبح الوصول إلى شجرة الزيتون مغامرة قد تنتهي برصاصة، تتحول الزراعة من نشاط اقتصادي إلى اختبار يومي للبقاء.

من اقتلاع الشجرة إلى تغيير الجغرافيا

الأخطر في الاعتداءات الاستيطانية ليس العنف المباشر وحده، وإنما النتائج التراكمية التي قد يتركها على الأرض والسكان.

فمنع المزارع من الوصول إلى أرضه يعني حرمانه من محصوله، وتكرار التهديد يدفعه إلى تقليص نشاطه الزراعي، وإحراق الأشجار أو اقتلاعها يضعف قدرته على الاستمرار اقتصادياً.

ومع مرور السنوات، قد تتحول الأراضي التي يصعب الوصول إليها إلى مساحات مهجورة فعلياً، بما يتيح توسيع نطاق السيطرة الاستيطانية.

وهنا يصبح الزيتون جزءاً من معركة جغرافية تتجاوز حدود الشجرة؛ فالصراع لا يدور على الثمار، وإنما على الأرض التي تنتجها، وعلى الإنسان الذي يتمسك بحق زراعتها.

الدولة والمستوطن… مسؤولية لا تسقط بالتجاهل

تطرح هذه الاعتداءات سؤالاً سياسياً وقانونياً بالغ الحساسية: هل نحن أمام مجموعات تتصرف بصورة منفردة، أم أمام بيئة سياسية وأمنية تسمح باستمرار العنف الاستيطاني وتوسع نتائجه؟

إن مسؤولية سلطات الاحتلال عن حماية السكان المدنيين لا تتوقف على إثبات وجود تنسيق مسبق بين الجنود والمستوطنين في كل حادثة. فالقانون الدولي الإنساني يفرض على القوة القائمة بالاحتلال التزامات تجاه السكان الواقعين تحت سلطتها.

وعندما تتكرر الاعتداءات دون حماية فعالة أو مساءلة رادعة، يصبح التقاعس نفسه قضية تستوجب التحقيق والمحاسبة.

ولذلك فإن القضية لا تتعلق بمستوطن يحمل فأساً أو سلاحاً فقط، وإنما بمدى قدرة المؤسسات المسؤولة عن الأمن على منع الاعتداءات وحماية أصحاب الأراضي.

الزيتون… صراع على التاريخ والرواية

ليست المشكلة مع اليهود بوصفهم جماعة دينية، فالزيتون حاضر في التراث اليهودي والمسيحي والإسلامي، ويحمل في الحضارات الثلاث دلالات السلام والبركة والحياة.

إنما تكمن المشكلة في ممارسات استيطانية تجعل من السيطرة على الأرض هدفاً سياسياً، ومن إضعاف الوجود الفلسطيني نتيجة محتملة لاستمرار الاعتداءات.

والشجرة هنا ليست سند ملكية قانونياً بحد ذاتها، لكنها شاهد على استمرارية الزراعة والحياة والارتباط بالمكان.

وقد يستطيع المستوطن اقتلاع شجرة الزيتون من الأرض، لكنه لا يستطيع اقتلاع الأرض من ذاكرة صاحبها.

من غصن عرفات إلى زيتون أبو فلاح

بعد اثنين وخمسين عاماً على خطاب عرفات، تبدلت القيادات والاتفاقيات والخرائط السياسية، لكن غصن الزيتون بقي حاضراً في قلب القضية الفلسطينية.

كان عرفات يطلب من العالم ألا يسمح بسقوط غصن السلام من يده، أما الفلاح الفلسطيني اليوم فيطلب ما هو أبسط وأعمق: أن يُترك ليقطف زيتونه دون خوف من الرصاص.

وهنا تتجلى المفارقة التاريخية القاسية: العالم الذي استمع إلى خطاب غصن الزيتون في قاعة الأمم المتحدة ما زال عاجزاً عن ضمان حماية الأشجار التي يستمد منها ذلك الغصن معناه.

فالزيتون ليس عقدة الفلسطيني الذي يتمسك بأرضه، بل عقدة المشروع الاستيطاني الذي يسعى إلى السيطرة على الأرض رغم وجود أصحابها.

وحين تصبح شجرة الزيتون هدفاً للعنف، فإن السؤال لم يعد عن موسم زراعي ضائع، بل عن مستقبل شعب تتعرض صلته بأرضه لضغوط متواصلة.

لقد قال عرفات عام 1974: «لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي».

واليوم، بعد اثنين وخمسين عاماً، يبدو النداء الفلسطيني أكثر إلحاحاً: لا تتركوا المستوطنين يحرقون الشجرة التي حمل عرفات غصنها إلى العالم.

فالأرض التي أنبتت الزيتون قبل أن تُرسم خرائط المستوطنات، لا تفقد تاريخها حين تُحرق أشجارها؛ لأن الجذور التي تمتد في التراب أعمق من أن تقتلعها سياسة، والذاكرة التي تسكن الإنسان أبقى من كل محاولات محو المكان.



Source link

السابق
الإعلامي صالح ارتيمه في ذمة الله
التالي
الأب معين الحلو يطلق كتابه الجديد “الولادة الثانية” في أجواء روحية مهيبة