أخبار

مليارات السلاح وجيوش الخليج… لماذا لم تتحول الثروة إلى قوة عسكرية حاسمة؟


مليارات السلاح وجيوش الخليج… لماذا لم تتحول الثروة إلى قوة عسكرية حاسمة؟

جو24- ليست القوة العسكرية بما تمتلكه الدول من طائرات ودبابات وصواريخ، وإنما بما تستطيع تحقيقه عندما تتحول هذه الأسلحة إلى أدوات فعلية للحسم والردع. وبين امتلاك السلاح والقدرة على استخدامه بكفاءة، تكمن واحدة من أخطر المعضلات الاستراتيجية التي تواجه دول الخليج العربي، بعدما أنفقت مئات المليارات من الدولارات لبناء ترسانات عسكرية متطورة، دون أن تتمكن بالقدر المأمول من تحقيق استقلالية دفاعية تتناسب مع حجم هذه الاستثمارات.

هذه المفارقة يعيد الباحث الإسرائيلي الدكتور يوئيل غوزانسكي، من معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، طرحها في دراسته المنشورة في الحادي عشر من تشرين الأول 2026 بعنوان «مفارقات الثراء: فعالية جيوش الخليج رهن الاختبار»، التي تتجاوز تقييم القدرات العسكرية الخليجية إلى مساءلة بنية الأمن الإقليمي وعلاقة دول الخليج بالولايات المتحدة وإسرائيل.

تنطلق الدراسة من حقيقة يصعب تجاهلها: أن امتلاك أحدث المقاتلات ومنظومات الدفاع الجوي لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارة حرب طويلة، أو حماية المنشآت الاستراتيجية بصورة مستقلة، أو فرض نتائج سياسية على الخصوم.

فالجيوش الحديثة ليست معارض للأسلحة المتقدمة، بل مؤسسات قتالية تحتاج إلى عقيدة واضحة، وقيادات مؤهلة، وتكامل استخباري، وقدرات لوجستية، وقاعدة بشرية قادرة على تشغيل التكنولوجيا وصيانتها، واتخاذ قرارات مستقلة عندما تتغير ظروف المعركة.

وقد كشفت المواجهات مع إيران والحوثيين حدود الفاعلية العسكرية التقليدية أمام خصوم يعتمدون على الصواريخ والمسيّرات والعمليات غير المتماثلة. فالصاروخ منخفض التكلفة نسبيًا يستطيع استنزاف منظومات اعتراض باهظة الثمن، والمسيّرة الصغيرة قد تفرض استجابة دفاعية تفوق قيمتها الاقتصادية عشرات المرات.

غير أن اختزال هذه المشكلة في ضعف الجيوش الخليجية وحدها يمثل قراءة ناقصة؛ لأن الأزمة نفسها تواجه جيوشًا كبرى تمتلك أحدث التقنيات العسكرية. فالولايات المتحدة وإسرائيل تعانيان بدورهما من اختلال اقتصادي بين تكلفة الهجوم وتكلفة الاعتراض، ومن صعوبة تحقيق حسم استراتيجي ضد تنظيمات وقوى أقل تسليحًا.

وهنا تظهر النقطة التي تستحق مراجعة نقدية في الدراسة الإسرائيلية: إنها تقيس الأداء الخليجي بمعايير الفاعلية العسكرية، لكنها لا تمنح دائمًا الوزن نفسه لحسابات القيادة السياسية التي قد تختار تجنب الحرب بدل خوضها.

فامتناع دولة عن استخدام قوتها لا يعني بالضرورة عجزها عن استخدامها. وقد يكون ضبط النفس قرارًا استراتيجيًا لحماية الاقتصاد والمنشآت النفطية والمدن من حرب استنزاف لا تضمن نتائجها.

إن السعودية، على سبيل المثال، لا تواجه خصمًا تقليديًا يمكن إخضاعه بتدمير قواعده الجوية أو مدرعاته، بل تواجه في اليمن حركة مسلحة تعتمد على الانتشار والمرونة وتوظيف الجغرافيا والصواريخ والمسيّرات. ولهذا لا ينبغي الخلط بين التفوق العسكري التقليدي والقدرة على تحقيق تسوية سياسية مستدامة.

لكن الدراسة تثير مسألة أكثر حساسية عندما تشير إلى أن صفقات التسليح الخليجية لم تكن مجرد استثمارات دفاعية، بل أدت أيضًا وظائف سياسية ودبلوماسية، أبرزها توثيق العلاقات مع واشنطن والحصول على ضمانات أمنية خارجية.

وبذلك نشأت معادلة شديدة التعقيد: دول تشتري السلاح لتعزيز سيادتها، لكنها تعتمد في تشغيل بعض قدراتها وصيانتها وإسنادها على القوى التي باعتها هذا السلاح.

فالاستقلال العسكري الحقيقي لا يتحقق بتعدد مصادر الشراء وحده، وإنما بامتلاك المعرفة التقنية، وبناء الصناعات الدفاعية، وإعداد الكوادر الوطنية، وتطوير القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذ العمليات دون الاعتماد الحاسم على طرف خارجي.

ومن منظور عربي، تكمن خطورة الدراسة في نتيجتها السياسية. فإسرائيل لا تقرأ الفجوة بين الإنفاق والفاعلية بوصفها مشكلة خليجية داخلية فحسب، بل تحاول تحديد موقع دول الخليج في هندسة الأمن الإقليمي المقبلة.

إنها تريد شراكات اقتصادية وسياسية واسعة مع العواصم الخليجية، لكنها لا ترى جيوشها حتى الآن بديلًا عسكريًا قادرًا على تحمل الأعباء التي تتحملها الولايات المتحدة.

وهنا ينبغي طرح السؤال الذي تتجنبه كثير من التحليلات الإسرائيلية: هل المطلوب بناء قوة عسكرية عربية مستقلة، أم إبقاء المنطقة في حالة احتياج دائم إلى المظلات الأمنية الخارجية؟

إن تجاوز مفارقة الثراء لا يبدأ بصفقات تسليح إضافية، وإنما بمراجعة شاملة لفلسفة بناء القوة، وتطوير التصنيع العسكري، وتكامل الدفاعات الجوية، وتعميق التعاون بين الجيوش العربية، وتحويل التفوق المالي إلى استقلال تكنولوجي وعملياتي.

فالدول لا تصبح قوية لأنها تشتري أقوى الأسلحة، بل لأنها تعرف متى تستخدمها، وكيف تديرها، ومتى تمنع الحرب بامتلاك القدرة الحقيقية على خوضها.

والخلاصة أن أخطر ما تواجهه دول الخليج ليس نقص السلاح، وإنما احتمال استمرار الفجوة بين امتلاك القوة والسيطرة على قرار استخدامها. فالثروة تستطيع شراء الترسانة، لكنها لا تستطيع وحدها شراء الاستقلال الاستراتيجي.



Source link

السابق
مجلس الأمن الدولي يناقش الوضع في سوريا
التالي
الملك يدعو لوقف الاعتداءات على الفلسطينيين ودعم أمن سوريا ولبنان