جو24- لم تكن مناورات «نسور الحضارة 2026» بين مصر والصين مجرد تدريبات عسكرية تقليدية، بل حملت رسالة استراتيجية تتجاوز الأجواء المصرية إلى واشنطن وتل أبيب، مفادها أن التفوق الجوي الذي شكل لعقود إحدى أهم أدوات الهيمنة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط، بات يواجه منافساً تكنولوجياً وصناعياً يمتلك القدرة على تحدي قواعد اللعبة، وإعادة رسم موازين القوة في سماء المنطقة.
فالصين لم تصل إلى مصر لتستعرض مقاتلاتها فحسب، وإنما جاءت بعقيدة عسكرية مختلفة، تقوم على أن السيطرة الجوية لم تعد حكراً على الطائرة الأسرع أو الأكثر قدرة على المناورة، بل أصبحت معركة شبكات إلكترونية ورادارات وصواريخ بعيدة المدى، تتكامل فيها المقاتلات مع منظومات الإنذار المبكر والحرب الإلكترونية والقيادة والسيطرة.
وقد كشفت المناورات، التي اختتمت في السابع من أيلول 2026، عن قدرة الصين على نقل مقاتلاتها المتطورة من طراز «J-16» لمسافة تجاوزت ستة آلاف كيلومتر، بمساندة طائرات التزود بالوقود والإنذار المبكر. وهذه القدرة لا تعني مجرد قطع مسافات طويلة، وإنما تعكس تطور إمكانات بكين في نقل قوتها الجوية وتشغيلها بعيداً عن أراضيها.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
لقد بنت الولايات المتحدة تفوقها العسكري على امتلاك أجيال متقدمة من المقاتلات، بدءاً من «F-15» و«F-16»، وصولاً إلى «F-22» و«F-35»، بينما استفادت إسرائيل من هذه التكنولوجيا، وأضافت إليها منظوماتها الاستخبارية والإلكترونية وقدراتها العملياتية، لتحتفظ بتفوق نوعي على معظم القوات الجوية المحيطة بها.
غير أن الصين بدأت تنافس في المجال الأكثر حساسية: التكنولوجيا التي تجعل الطائرة قادرة على اكتشاف خصمها واستهدافه قبل دخوله نطاق الاشتباك البصري.
فمقاتلات «J-16»، المدعومة برادارات المسح الإلكتروني المتطور، وطائرات الإنذار المبكر «KJ-500»، ومنظومات التشويش الإلكتروني «Y-9LG»، تمثل نموذجاً لعقيدة قتالية تقوم على إدارة المعركة قبل إطلاق الصاروخ الأول. وقد شاركت هذه المنصات في الانتشار الصيني المرتبط بالمناورات المصرية.
ولعل أخطر ما تحمله هذه التجربة أن مستقبل الحرب الجوية لن يحسمه بالضرورة امتلاك الطائرة الأغلى ثمناً، وإنما القدرة على ربط المقاتلات والرادارات والصواريخ ومنظومات التشويش في شبكة قتالية واحدة، تستطيع اكتشاف التهديدات وتوزيع الأهداف وتعطيل وسائل الاتصال المعادية.
وفي المواجهات التدريبية بين «رافال» المصرية و«J-16» الصينية، برز اختلاف فلسفتين قتاليتين؛ الأولى تستند إلى قدرات المناورة والحرب الإلكترونية الفرنسية، والثانية تركز على دمج المقاتلة ضمن شبكة أوسع من الاستشعار والاشتباك بعيد المدى. لكن النتائج المعلنة لا تسمح بالجزم بتفوق أي من الطائرتين على الأخرى.
أما مصر، فلم تكن مجرد ساحة لاستعراض التكنولوجيا الصينية، بل شريكاً يسعى إلى توسيع خياراته العسكرية والاستراتيجية. فامتلاكها مقاتلات أمريكية وفرنسية وروسية، إلى جانب تعاونها المتنامي مع بكين، يمنحها فرصة للمقارنة بين مدارس التسليح المختلفة وتقليل الارتهان لمصدر واحد.
وهذا تحديداً ما يجعل المناورات ذات أهمية تتجاوز حدود القاهرة.
فإذا استطاعت الصين تقديم منظومات جوية متكاملة لدول الشرق الأوسط، فإنها لن تنافس الشركات الأمريكية والأوروبية في بيع المقاتلات فقط، بل ستدخل مباشرة إلى مجال النفوذ العسكري الذي ارتبط لعقود بالقرار السياسي الأمريكي.
أما إسرائيل، فإن التحدي الاستراتيجي المحتمل لا يتمثل في عدد المقاتلات الصينية المشاركة في التدريب، وإنما في احتمال انتشار تكنولوجيا الإنذار المبكر والتشويش والرادارات والصواريخ المتطورة بين جيوش المنطقة، بما قد يضيّق تدريجياً هامش التفوق النوعي الذي اعتمدت عليه في حساباتها العسكرية.
ومع ذلك، فإن المنافسة الصينية لا تعني سقوط التفوق الأمريكي الإسرائيلي؛ فالتجارب القتالية الفعلية، والتكامل العملياتي، والخبرة الاستخبارية، والقدرة على الاستمرار في الحروب الطويلة، تبقى عوامل لا يمكن حسمها بنتائج المناورات وحدها.
لكن المؤكد أن احتكار الخيارات التكنولوجية يتعرض لتحدٍّ متصاعد، وأن بكين لم تعد مجرد مصنع للأسلحة منخفضة التكلفة، بل قوة تسعى إلى تصدير منظومات قتالية متقدمة تستطيع منافسة المنتجات الغربية في أسواق كانت مغلقة أمامها.
وهنا تكمن الخلاصة الاستراتيجية: الصين لم تُسقط التفوق الجوي الأمريكي الإسرائيلي في سماء مصر، لكنها أظهرت أن المنافسة على صناعة هذا التفوق لم تعد حكراً على الغرب. وربما لا يكون السؤال الأهم اليوم من يمتلك الطائرة الأقوى، بل من سيملك السماء عندما تصبح التكنولوجيا التي صنعت الهيمنة العسكرية متاحة من أكثر من مركز قوة عالمي؟
