أخبار

من مقاطعة المستوطنات إلى تصدّع الأطلسي… هل تصبح حماية إسرائيل عبئاً على واشنطن؟


من مقاطعة المستوطنات إلى تصدّع الأطلسي… هل تصبح حماية إسرائيل عبئاً على واشنطن؟

جو24- لم تعد إسرائيل تواجه تداعيات السابع من أكتوبر على الجبهات العسكرية وحدها، بل بدأت تدفع أثماناً سياسية ودبلوماسية تتجاوز حدود الشرق الأوسط، وتصل إلى قلب التحالف الغربي الذي شكّل لعقود إحدى أهم ركائز قوتها. فالمقاطعة التي بدأت احتجاجاً على الاحتلال والاستيطان، تتحول تدريجياً إلى قرارات حكومية وإجراءات اقتصادية، وتفتح مواجهة غير مألوفة بين واشنطن وعواصم أوروبية كانت تُعدّ من أكثر حلفاء إسرائيل التزاماً بأمنها.

والمفارقة أن الولايات المتحدة، التي اعتادت إدارة الخلافات داخل المعسكر الغربي، تجد نفسها اليوم أمام احتمال استخدام نفوذها الاقتصادي ضد حلفائها، ليس دفاعاً عن مصالح أمريكية مباشرة، وإنما لحماية النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

في الثامن من سبتمبر، أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا إجراءات تستهدف التجارة مع المستوطنات، فيما أبدت دول أوروبية أخرى استعدادها لاتخاذ خطوات مماثلة أو دراستها. ورغم أن التطبيق القانوني لبعض هذه الإجراءات يحتاج إلى وقت، فإن أهميتها لا تكمن في حجم البضائع التي قد تختفي من الأسواق الأوروبية، بل في انتقال الاعتراض على الاستيطان من البيانات السياسية إلى أدوات الضغط الاقتصادي.

هنا تحديداً تكمن المشكلة الإسرائيلية. فالفصل بين إسرائيل داخل حدودها المعترف بها دولياً وبين المستوطنات المقامة على الأراضي المحتلة يضع المشروع الاستيطاني أمام اختبار قانوني وتجاري متزايد التعقيد. كما يثير سؤالاً يتجاوز المنتجات الزراعية والصناعية إلى البنوك والاستثمارات والخدمات والشركات التي تساهم في تمويل التوسع الاستيطاني.

وجاء الرد الإسرائيلي ليكشف حساسية هذا التحول. فقد انتقلت المواجهة مع بريطانيا إلى التمثيل الدبلوماسي في القدس الشرقية، حيث أمرت إسرائيل بإغلاق القنصلية البريطانية، قبل أن تنتهي الاتصالات إلى خفض مستواها وتحويلها إلى بعثة بريطانية محدودة الصلاحيات، مع استمرار حضور لندن في المدينة. وهكذا أصبحت القدس نفسها ساحة للصراع الدبلوماسي حول الاستيطان والحقوق الفلسطينية.

لكن التطور الأكثر دلالة يتمثل في دخول إدارة دونالد ترامب على خط المواجهة.

فبحسب تصريحات أمريكية نقلتها تقارير صحفية، طُرحت إمكانية اتخاذ إجراءات انتقامية ضد الدول المشاركة في مقاطعة إسرائيل، بالتزامن مع اتهامات تربط هذه الإجراءات بمعاداة السامية. وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل تتحول الخلافات بشأن المستوطنات إلى أزمة تجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا؟

ثمة فارق جوهري بين مكافحة معاداة السامية، باعتبارها ضرورة أخلاقية وقانونية لحماية اليهود من التمييز والكراهية، وبين الاعتراض على سياسات حكومة إسرائيل أو النشاط الاقتصادي في المستوطنات. والخلط بين الأمرين، إذا تحول إلى أساس للعقوبات التجارية، قد يفتح خلافاً واسعاً حول حدود السيادة الأوروبية وحق الدول في تحديد سياساتها الخارجية.

وليس من الدقة اعتبار التهديدات الأمريكية عقوبات نافذة، أو تصوير أوروبا كتلة موحدة في موقفها من إسرائيل. غير أن مجرد طرح الضغط الاقتصادي على الحلفاء بسبب المستوطنات يكشف حجم التناقض بين أولويات الإدارة الأمريكية ومواقف حكومات أوروبية تستند إلى قواعد القانون الدولي.

والأخطر بالنسبة لإسرائيل أن هذا المسار يأتي بعد ثلاث سنوات من حرب استنزفت مواردها ووسّعت دائرة الخلاف حول سياساتها. فالتفوق العسكري يستطيع تدمير المنشآت وضرب الخصوم، لكنه لا يستطيع وحده استعادة الثقة الدبلوماسية، ولا إجبار الأسواق والشركات والحكومات على تجاهل الكلفة القانونية والسياسية للاحتلال.

كما أن التهديد بمعاقبة أوروبا دفاعاً عن المستوطنات قد يضع واشنطن أمام معادلة معاكسة: كلما توسعت الحماية الأمريكية للسياسات الإسرائيلية، ازدادت احتمالات انتقال الخلاف من العلاقة مع تل أبيب إلى العلاقة مع الولايات المتحدة نفسها.

وهذا لا يعني انهيار التحالف الأطلسي، لكنه يكشف حدود التضامن الغربي عندما تتعارض المصالح التجارية والسيادة القانونية مع اعتبارات التحالف السياسي.

لقد اعتادت إسرائيل أن تستند إلى التفوق العسكري في مواجهة خصومها، وإلى المظلة الأمريكية في مواجهة الضغوط الدولية. أما اليوم، فإن التحدي الذي يلوح أمامها أكثر تعقيداً: ماذا يحدث عندما تصبح المظلة الأمريكية نفسها سبباً لخلاف بين حلفائها؟

هنا تتجاوز المقاطعة قيمتها الاقتصادية المباشرة لتصبح مؤشراً على تحول أعمق في البيئة الدولية المحيطة بإسرائيل.

فالخطر الاستراتيجي على إسرائيل ليس أن تخسر سوقاً أوروبية لمنتجات المستوطنات، بل أن تتحول حماية الاستيطان من مصلحة تتبناها واشنطن إلى عبء سياسي تدفع ثمنه علاقاتها مع أوروبا. وعند تلك النقطة، لن يكون السؤال من يستطيع حماية إسرائيل، بل إلى متى يستطيع حلفاؤها تحمل كلفة سياساتها؟



Source link

السابق
ترشيد الإنفاق الحكومي… من قرار عابر إلى سياسة مستدامة
التالي
الجائزة لا تُمنح لصاحب “الموسم الصفري”