جو24- أثبت قرار الحكومة تقييد السفر الرسمي إلى الخارج أن ترشيد الإنفاق العام ليس شعارًا نظريًا، وإنما يمكن أن يتحول إلى وفر مالي ملموس عندما تقترن الإرادة بالقرار والمتابعة. فقد أعلن وزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء عبداللطيف النجداوي أن القرار حقق حتى الآن وفرًا يقارب ثلاثة ملايين دينار، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو أربعة ملايين دينار مع نهاية العام.
وتضمن القرار قصر السفر على الاجتماعات الرئيسية والضرورية، ومشاركة مسؤول واحد دون مرافقين، وألا تتجاوز مدة الإقامة ليلتين، إلى جانب وقف سفر الموظفين والوفود واللجان الرسمية، ووقف استضافة الوفود إلا في حالات الضرورة القصوى.
هذه الأرقام مهمة، ليس بسبب حجم الوفر وحده، وإنما لأنها تقدم دليلًا عمليًا على أن ضبط بعض أوجه الإنفاق يمكن أن يحقق نتائج ملموسة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان هذا الإجراء وحده قد وفر ملايين الدنانير، فكم يمكن أن نوفر إذا امتدت المراجعة إلى مختلف أبواب الإنفاق الحكومي؟
المطلوب هنا ألا يبقى ترشيد الإنفاق مجموعة من القرارات المؤقتة أو المتفرقة، بل أن يتحول إلى برنامج حكومي متكامل ومستدام لإدارة المال العام بكفاءة، يقوم على مراجعة شاملة لكل بند من بنود الإنفاق، والتمييز بين ما هو ضروري لخدمة المواطن وما يمكن تخفيضه أو الاستغناء عنه دون التأثير في الخدمات الأساسية.
ولعل البداية تكون من مراجعة المؤسسات والهيئات العامة المستقلة. ليس الهدف إلغاء المؤسسات لمجرد الإلغاء، وإنما السؤال: هل ما زالت كل مؤسسة تؤدي وظيفة ضرورية؟ وهل يمكن دمج بعض المؤسسات المتشابهة أو نقل مهامها إلى الوزارات القائمة؟ وهل تكلفة المؤسسة تتناسب مع القيمة التي تضيفها؟ فالمؤسسة التي انتهى الغرض من إنشائها، أو تداخلت مهامها مع جهة أخرى، ينبغي أن تكون موضع مراجعة جادة، بما في ذلك الدمج أو الإلغاء عند الحاجة.
وهناك أبواب أخرى للإنفاق تستحق مراجعة أكثر صرامة، مثل السيارات الحكومية وما يرتبط بها من شراء ووقود وصيانة، وكذلك المكاتب والأثاث والتجهيزات. فمن غير المنطقي أن تستمر مظاهر الإنفاق غير الضروري في بعض المواقع الحكومية في وقت تحتاج فيه الدولة إلى توجيه مواردها نحو الأولويات الأساسية.
وينطبق الأمر أيضًا على الاحتفالات والمناسبات والفعاليات والضيافة والهدايا والنفقات البروتوكولية. وليس المقصود إلغاء كل نشاط رسمي، وإنما وضع معايير واضحة للضرورة والعائد، حتى لا تتحول النفقات الصغيرة في كل مؤسسة إلى مبالغ كبيرة عندما تتكرر عبر عشرات المؤسسات والدوائر.
أما الموارد البشرية، فهي من أكبر ملفات الإنفاق الحكومي وأكثرها حساسية. والترشيد هنا لا يعني بالضرورة الاستغناء عن الموظفين، وإنما إعادة توزيع القوى العاملة وفق الحاجة الفعلية، ووقف التعيينات غير الضرورية، ومعالجة الفائض في بعض الجهات والنقص في جهات أخرى، وربط التوظيف الحكومي بحجم العمل والكفاءة وليس بالاعتبارات غير المرتبطة بالحاجة الفعلية.
لكن إدارة المال العام لا تتعلق بالإنفاق وحده. فهناك جناح آخر لا يقل أهمية هو حماية الإيرادات العامة. ومكافحة التهرب والتجنب الضريبي، وتوسيع قاعدة المكلفين بعدالة، وتعزيز الرقابة على التحصيل، كلها وسائل لزيادة موارد الخزينة دون تحميل الملتزمين أعباء إضافية. والعدالة الضريبية لا تعني زيادة الضرائب على من يدفعون أصلًا، وإنما ضمان أن يؤدي كل من تنطبق عليه أحكام القانون ما عليه بعدالة وشفافية.
وفي السياق نفسه، لا يمكن الحديث عن ترشيد المال العام دون الحديث بوضوح عن مكافحة الفساد، وبخاصة الفساد المالي. فكل دينار يتم توفيره بمنع هدر أو تجاوز أو فساد هو في حقيقته مورد إضافي للخزينة. ولذلك فإن تعزيز الرقابة، ورفع كفاءة أجهزة التدقيق والمساءلة، وتشديد تطبيق القانون على من تثبت مسؤوليته، دون استثناء أو انتقائية، يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي برنامج جاد للإصلاح المالي.
المطلوب في النهاية ليس سياسة تقشف تضعف قدرة الدولة على تقديم خدماتها، وإنما سياسة كفاءة مالية تجعل كل دينار عام يذهب إلى المكان الذي يحقق أكبر قيمة للمواطن.
ولذلك، فإن الوفر المتحقق من ضبط السفر ينبغي ألا يكون نهاية القصة، بل بدايتها. لماذا لا تضع الحكومة برنامجًا وطنيًا شاملًا لترشيد الإنفاق وحماية الإيرادات، بأهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، وتعلن سنويًا مقدار ما تم توفيره من الهدر وما تم استرداده من أموال وما تحقق من زيادة في الإيرادات؟
فترشيد الإنفاق ليس مجرد تقليل للمصروفات، ومكافحة التهرب والفساد ليست مجرد إجراءات رقابية؛ إنها جميعًا جزء من حسن إدارة المال العام. وعندما يشعر المواطن أن الدولة تراقب إنفاقها كما تراقب إيراداتها، وأن المال العام لا يُهدر ولا يُستباح، فإن الوفر المالي لا يكون المكسب الوحيد، بل تستعيد الدولة أيضًا جزءًا مهمًا من ثقة المواطن.
