أخبار

بين دهاء الواقعية وسراب المناورة.. كيف أفشل بن سلمان ألاعيب نتنياهو؟


جو24- كتب : زياد فرحان المجالي – خاص بـ«جو 24»

طوال عقد كامل، ظل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يروج لوهم استراتيجي مفاده أن الطريق إلى الرياض مفتوح على مصراعيه، وأن إقامة علاقات رسمية مع المملكة العربية السعودية مجرد مسألة وقت، محاولاً استخدام هذا الملف كطعم سياسي يغطي به على أزماته الداخلية ويحقق به اختراقاً تاريخياً يتجاوز جوهر الصراع في المنطقة: القضية الفلسطينية. غير أن ما يتغافل عنه نتنياهو – أو يتعامى عنه عمداً – هو أن الرياض اليوم تدار بعقلية استراتيجية ذات واقعية صلبة، تتجاوز بأشواط حساباته التكتيكية الضيقة.

إن القراءة الفاحصة لتحركات ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، تكشف عن فارق شاسع في العمق والرؤية بين رجل يبني مشروعاً تحولياً شاملاً لدولته والإقليم، وبين سياسي مأزوم يقتات على التسريبات الصحفية والمناورات القطبية. لقد حاول نتنياهو مراراً تسليع الفكرة السعودية لصالح بقائه السياسي؛ فتارة يربط التطبيع بإنشاء جبهة لمواجهة طهران، وتارة أخرى يراهن على الضغط الأمريكي لإنجاز الصفقة بلا مقابل سياسي مستحق. لكن الرد السعودي كان دائماً يتسم بالهدوء والثبات والحزم: لا تطبيع بلا مسار موثوق ومحاط بضمانات دولية يضمن إقامة الدولة الفلسطينية.

لم ينخدع بن سلمان بالوعود المعلقة ولا بالاستعراضات الدبلوماسية التي يحبذها نتنياهو. وبدلاً من الانتظار في الممر الإسرائيلي الضيق، أدار ولي العهد السعودي شطرنج المنطقة ببراجماتية عالية وتفكير متقدم. أدركت الرياض مبكراً أن الرهان على اندفاعات نتنياهو أو تصعيد المواجهات الإقليمية الشاملة هو رهان على سراب قد يستنزف مقدرات المنطقة ويضر بالاستقرار التنموي. ومن هذا المنطلق، اتجهت القيادة السعودية إلى إعادة رسم الخارطة الدبلوماسية وفق مصالحها الوطنية بأسلوب أربك حسابات تل أبيب.

لقد ذهبت الرياض إلى تنويع شبكة تحالفاتها الاستراتيجية والأمنية؛ ففتحت قنوات التهدئة والتفاهمات الدبلوماسية مع إيران لقطع الطريق على سيناريوهات التصعيد الذي يسعى نتنياهو لجر المنطقة إليها، وعززت في الوقت نفسه شراكاتها الاستراتيجية مع قوى إقليمية ودولية وزنت المعادلة، كباكستان وتركيا، إلى جانب استمرار مسار تحديث منظوماتها الدفاعية وتطوير قدراتها الذاتية. هذا التحرك المتوازن أرسل رسالة صريحة إلى تل أبيب وواشنطن مفادها: «السعودية لا تنتظر أحداً، ولا يمكن رهن أمنها ورؤيتها المستقبلية برغبات رئيس حكومة إسرائيلي يواجه طوقاً من الأزمات القضائية والسياسية».

وحتى عندما حاول نتنياهو تسريب لقاءات مغلقة واستغلالها إعلامياً للضغط على القيادة السعودية وتظهيرها كواقع محتوم، جاء الموقف السعودي صارماً ليعيد التذكير بحدود اللعبة. فالرياض لا تدار بأسلوب «العلاقات العامة» الذي يحترفه نتنياهو ومستشاروه، بل تحكمها معادلة قوة واستقلالية في القرار. لقد أثبت بن سلمان أنه يتفوق بمراحل في فهم قواعد «الريال بوليتيك»؛ حيث استطاع تجريد نتنياهو من أهم ورقة رابحة كان يلوح بها أمام ناخبيه وأمام المجتمع الدولي، مبيناً أن استحقاق السلام الاستراتيجي ليس جائزة مجانية تُمنح لسياسي يحاول الهروب إلى الأمام.

إن الحقيقة التي باتت جلية في أروقة مراكز القرار الإقليمي والدولي هي أن خطط بنيامين نتنياهو والمسار الاستراتيجي للسعودية هما خطان متوازيان لا يلتقيان. فبينما يصر نتنياهو على إبقاء المنطقة في حالة من السيولة الأمنية والحروب المفتوحة لخدمة ائتلافه اليميني المتطرف، تمضي الرياض في ترسيخ مكانتها كمركز ثقل إقليمي قادر على فرض شروطه، وصياغة معادلاته بنفسه، بعيداً عن أوهام شباك نتنياهو السياسية.



Source link

السابق
رئيس جامعة عمان الأهلية يشارك بمنتدى رؤساء الجامعات العالمية ضمن قمة التايمز الأكاديمية في كيب تاون
التالي
أثر أ عمال إزالة واقتلاع الأشجار القائمة على البيئة والبدائل المحتملة ضمن ظروف المكان واليات تخفيف الآثار السلبية