أخبار

حين يصبح المبنى كله هدفًا… شهادة جندي إسرائيلي تكشف الوجه الآخر لـ”نازا”


لم يكن السؤال في بعض عمليات الجيش الإسرائيلي داخل قطاع غزة: من هو الشخص المطلوب استهدافه؟ بل: ماذا سيحدث لكل من يوجد حوله؟

هذا ما تعيده إلى الواجهة شهادة جندي إسرائيلي تحدث عن تقنية “نازا”، كاشفًا عن آلية استهداف قال إنها كانت تبدأ بتحديد شخص بعينه، لكنها قد تنتهي بقتل جميع الموجودين داخل المبنى الذي يوجد فيه.

وبحسب ما ورد في الشهادة، فإن استهداف شخص محدد لم يكن بالضرورة يعني تنفيذ ضربة دقيقة على الهدف وحده، إذ يقول الجندي: “كنا نقتل كل من في المبنى” عند استهداف شخص بعينه.

وتكشف هذه الإفادة عن مفارقة شديدة الدلالة؛ فقد تكون التكنولوجيا قادرة على تحديد شخص معين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن العملية العسكرية ستتوقف عنده، وهنا تبرز أهمية التفريق بين دقة تحديد الهدف ودقة الهجوم نفسه.

فمعرفة مكان شخص محدد لا تجيب وحدها عن أسئلة أساسية: هل المبنى مأهول؟ كم عدد المدنيين الموجودين فيه؟ هل توجد وسيلة أقل خطرًا لتحقيق الهدف؟ وما حجم الخسائر المتوقعة؟ فإذا كانت إفادة الجندي تعكس بالفعل ممارسة متكررة، فإن التقنية تصبح جزءًا من منظومة لا تستخدم التكنولوجيا فقط للوصول إلى الهدف، وإنما لتسهيل قرار ضرب المكان الذي يوجد فيه.

في قطاع غزة، لا توجد دائمًا مسافة واضحة بين الهدف العسكري والمجال المدني؛ فالأشخاص يعيشون في مبانٍ مكتظة، والعائلات تتشارك المساحات نفسها، وأي ضربة على منزل قد تعني سقوط عدد كبير من الضحايا في لحظة واحدة؛ لذلك، فإن العبارة المنسوبة إلى الجندي تحمل أهمية تتجاوز تفاصيل التقنية نفسها.

فحين يُعرَّف الهدف بأنه “شخص”، بينما تكون وسيلة الوصول إليه ضربة تدمر مبنى بأكمله، فإن الفارق بين الهدف المباشر ودائرة الخطر يصبح هائلًا، وهذا تحديدًا ما يجعل قواعد الاشتباك وآليات الموافقة على الضربات موضع أسئلة: هل كان قتل الموجودين داخل المبنى نتيجة متوقعة ومقبولة في القرار العسكري، أم نتيجة جانبية كان يفترض تجنبها؟

مستشار الإعلام الرقمي وهندسة أنظمة التأثير، سائد حسونة، أكد أن ما تكشفه شهادة الجندي الإسرائيلي يحتاج إلى أن نقرأه باعتباره منظومة أو عقيدة استهداف رقمية متكاملة، وليس باعتباره قصة أداة منفردة اسمها “NAZA”، لأن “NAZA” ليست خوارزمية لاكتشاف الأشخاص أو ذكاءً اصطناعيًا يختار الهدف، وإنما مفهوم مرتبط بتقدير الضرر الجانبي المتوقع، أي عدد المدنيين الذين يمكن أن يسقطوا نتيجة استهداف شخص أو موقع معين.

وقال حسونة لـ”قدس برس” إن منظومة “Lavender” تسبق “NAZA”، في طبقة أسبق وأكثر مركزية من عملية الاستهداف، حيث تعتمد على تحليل كميات كبيرة من البيانات والمؤشرات الرقمية من أجل تصنيف وترشيح أشخاص باعتبارهم أهدافًا محتملة.

وأضاف أنه، ومن الناحية الأكاديمية، نحن أمام ما يمكن وصفه بالاستهداف الخوارزمي، وهو استخدام أنظمة حسابية لتحويل البيانات الخام إلى درجات أو مؤشرات أو تصنيفات تساعد في تحديد الأشخاص أو الكيانات ذات الأولوية، وهذا يختلف عن الصورة المبسطة التي تقول إن “الذكاء الاصطناعي يقرر من يُقتل”، لأن القرار النهائي قد يبقى بشريًا، لكن الخوارزمية تؤثر في البيئة المعرفية التي يصل من خلالها الإنسان إلى هذا القرار؛ أي إنها تحدد من يظهر أمامه أصلًا كهدف محتمل، وما المعلومات التي يراها عنه.

وتابع أنه بعد إنتاج أو ترشيح الهدف، تبدأ طبقة ثانية هي تحديد مكانه والتأكد من وجوده، وهنا تدخل المراقبة الرقمية وبيانات الاتصالات والهواتف والإشارات المرتبطة بالموقع، إضافة إلى الآليات التي كشفت عنها تحقيقات سابقة، مثل ما عُرف باسم “Where’s Daddy؟”، “أين أبي؟”، والمرتبطة بتحديد اللحظة التي يكون فيها الشخص المستهدف داخل منزله.

وهنا تصبح شهادة استخدام كلام الأطفال أو أفراد الأسرة شديدة الخطورة، لأن الأدق علميًا ليس القول إن هناك “تشفيرًا للغة الأطفال”، وإنما أن اللغة الطبيعية يمكن أن تتحول إلى إشارة استخبارية؛ فالطفل الذي يقول مثلًا إن والده عاد إلى المنزل لا يعرف أنه يقدم معلومة عسكرية ولا يرسل رسالة مشفرة، لكن الجملة العائلية العادية يمكن، إذا كانت المراقبة قائمة أصلًا، أن تتحول إلى مؤشر زمني ومكاني يؤكد أو يرجح وجود شخص محدد في موقع محدد.

وهذا ما يمكن فهمه أكاديميًا ضمن مفهوم تحويل البيانات؛ أي تحويل النشاط الإنساني والسلوك اليومي والعلاقات الاجتماعية إلى بيانات قابلة للمعالجة والاستدلال.

وهنا لا يعود الهاتف مجرد وسيلة اتصال، ولا الكلام مجرد حديث عائلي، بل يتحول المحيط الاجتماعي كله إلى مجموعة من الإشارات التي يمكن للنظام استخراج معلومات منها.

وأشار إلى أن طبقة تقدير الضرر المدني التي يرتبط بها مصطلح “NAZA” تجعل المسألة أكثر حساسية؛ لأننا ننتقل من سؤال: “هل الهدف موجود؟” إلى سؤال آخر هو: “من يوجد حول الهدف، وكم مدنيًا يمكن أن يتضرر إذا نُفذت الضربة؟”

ولذلك، فإن الرقم هنا لا يصف فقط ما حدث بعد القصف، بل يمثل، وفق الشهادات المنشورة، جزءًا من التقدير السابق للضربة.

ومن منظور دراسات القرار، يمكن فهم ذلك باعتباره نوعًا من تقدير الضرر الجانبي، لكن وجود رقم أو نموذج حسابي لا يجعل القرار موضوعيًا أو صحيحًا تلقائيًا؛ لأن كل نموذج يعتمد على جودة البيانات والافتراضات التي بُني عليها، وعلى الحدود التي يضعها صانع القرار لما يعتبره خطرًا مقبولًا.

وشدد حسونة على أن المشكلة الأكاديمية الأساسية في هذه المنظومات هي ما يسمى انتقال وتراكم الخطأ عبر سلسلة القرار، لأننا لا نتعامل مع معلومة واحدة، بل مع سلسلة من الاستدلالات.

فقد يحدث خطأ في الهوية أو في البيانات الأولية، ثم ينتقل إلى عملية التصنيف، وقد يكون التصنيف صحيحًا بينما يكون تحديد الموقع خاطئًا؛ فالهاتف لا يساوي صاحبه بالضرورة، ويمكن أن ينتقل الجهاز من شخص إلى آخر أو يبقى في مكان بينما يغادر صاحبه، وقد تكون إشارة الموقع صحيحة في لحظة لكنها تصبح قديمة بعد دقائق، وقد تُفهم عبارة عائلية خارج سياقها، ثم يأتي بعد ذلك تقدير عدد المدنيين الموجودين في المبنى، وهو بدوره تقدير احتمالي وليس معرفة يقينية، وخصوصًا في بيئة حرب ونزوح وتغير سريع في أماكن وجود السكان.

ويرى مستشار الإعلام الرقمي أن “Lavender” أو “Where’s Daddy؟” أو “NAZA” ليست أسماء منفصلة بقدر ما هي طبقات ضمن بنية قرار واحدة: طبقة تقول من الذي يجب ترشيحه، وطبقة تحاول تحديد أين يوجد، وطبقة تستخدم الإشارات الرقمية والاجتماعية لترجيح وجوده في لحظة معينة، وطبقة تحسب أو تقدر المدنيين المحيطين به، ثم تأتي طبقة القرار البشري والتنفيذ.

وهذا هو السبب الذي يجعل وصفها بأنها عقيدة أو منطق استهداف قائم على البيانات أكثر دقة من اختزالها في “سلاح ذكاء اصطناعي”.

وأردف أن السلاح هنا ليس الخوارزمية وحدها، وإنما تكامل البيانات والمراقبة والتصنيف والتنبؤ والتتبع والتقدير والقرار ضمن بنية واحدة لصناعة الهدف.

وأوضح أن الأخطر في قصة الأطفال تحديدًا أن المدني هنا قد يتحول، من دون أن يعرف، إلى مستشعر بشري داخل هذه البنية، ليس لأنه يعمل لصالحها، وإنما لأن حياته اليومية تنتج إشارات يمكن التقاطها وتحليلها.

وهذا يفتح نقاشًا أكاديميًا وأخلاقيًا كبيرًا حول المراقبة وتحويل الحياة إلى بيانات والحرب الخوارزمية، لأن المسألة لم تعد مجرد مراقبة شخص مشتبه به، بل إمكانية تحويل شبكة العلاقات المحيطة به، الزوجة والطفل والهاتف والمنزل والحركة والكلام اليومي، إلى طبقات معلومات تساعد على تحديد لحظة الاستهداف.

وأضاف أن السؤال الأهم ليس: هل ضغط الذكاء الاصطناعي زر إطلاق الصاروخ؟ فهذا تبسيط للمشكلة، وإنما: إلى أي مدى أصبحت الخوارزمية جزءًا من هندسة القرار الذي يسبق الضغط على الزر؟ ومن اختار معاييرها؟ وكيف جرى اختبار معدلات الخطأ الإيجابي والخطأ السلبي فيها، أي الأشخاص الذين صنفهم النظام خطأً كأهداف، والأشخاص الذين أخفق في تصنيفهم؟ وكيف يتم التحقق المستقل من بياناتها؟ وما حدود الضرر المدني المقبولة داخل النظام؟ وما مقدار المراجعة البشرية الحقيقية لكل حالة؟

لأن أخطر ما في هذه البنية ليس فقط احتمال أن تخطئ الخوارزمية، بل احتمال أن تعمل المنظومة كما صُممت تمامًا، ومع ذلك تكون الخسائر المدنية المتوقعة معروفة مسبقًا ومدخلة أصلًا في عملية اتخاذ القرار.

يذكر أن مصطلح “نازا” (NAZA) هو اختصار عبري يُستخدم في السياق العسكري الإسرائيلي للدلالة على “الضرر الجانبي”، أي عدد المدنيين الذين يُتوقع أن يسقطوا جراء استهداف هدف عسكري.

وبحسب ما أورده فيلم وثائقي جديد يحمل الاسم نفسه، تحوّل المصطلح من تعبير عسكري بيروقراطي إلى ما يشبه وحدة حساب للخسائر المدنية المتوقعة قبل تنفيذ الضربة العسكرية ضد هدف بشري؛ إذ تتناول شهادات جنود وضباط استخبارات إسرائيليين سابقين كيفية إدخال أعداد المدنيين المتوقع مقتلهم ضمن عملية اتخاذ القرار. 

ويستند فيلم “نازا”، من إخراج الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل تسور، إلى مقابلات مع 24 جنديًا وضابطًا وعاملًا سابقًا في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، تحدثوا بصورة مجهّلة، ويعرض شهاداتهم بشأن منظومة الاستهداف والمراقبة المستخدمة في قطاع غزة، بما في ذلك أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل كميات كبيرة من البيانات لتحديد الأشخاص والمواقع.



Source link

السابق
ايرلندا تعلن مقاطعتها “يوروفيجن 2027” احتجاجا على مشاركة إسرائيل #عاجل
التالي
هل يعيد الناطق الرقمي “فرح” صياغة الاتصال الاستراتيجي الحكومي؟ #عاجل