كتب زياد فرحان المجالي –
في مساء العاشر من أيلول/سبتمبر، داخل القاعة الكبرى لمهرجان البندقية السينمائي، لم يكن الجمهور يشاهد فيلمًا عاديًا عن غزة.
كان يستمع، على مدى ثمانين دقيقة، إلى أشخاص خدموا داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية، وهم يروون كيف تتحول المعلومة إلى هدف، والهدف إلى إحداثية، والإحداثية في النهاية إلى قنبلة تسقط على بيت.
اسم الفيلم وحده يحمل جزءًا كبيرًا من الحكاية: NAZA – نازا.
مصطلح يرتبط في اللغة العسكرية الإسرائيلية بما يسمى «الضرر الجانبي»؛ أي عدد المدنيين الذين يمكن أن يسقطوا إلى جوار هدف عسكري.
لكن الفيلم ينتزع المصطلح من لغة غرف العمليات الباردة ويضعه أمام سؤال إنساني أكثر قسوة:
متى يتحول الإنسان من حياة يجب حمايتها إلى رقم يمكن إدخاله مسبقًا في حساب الضربة؟
وهنا تبدأ أهمية الفيلم.
فصانعاه ليسا فلسطينيين، ولا جاء العمل من مؤسسة عربية أو من جهة خصمة لإسرائيل. المخرجان إسرائيليان، وسبق لهما أن شاركا في صناعة فيلم وثائقي وصل إلى أعلى منصات السينما العالمية.
لكن هذه المرة لم يذهبا إلى تصوير الحرب من خارجها.
ذهبا إلى داخل الآلة نفسها.
على مدى نحو ثلاث سنوات، جُمعت شهادات سرية من أربعة وعشرين شخصًا خدموا في الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. أُخفيت الهويات، وظهرت بعض الشهادات في أجواء ليلية فوق أسطح تل أبيب.
المشهد وحده يحمل مفارقة قاسية.
مدينة إسرائيلية مضاءة، شوارعها تتحرك وشرفاتها مفتوحة والناس يعيشون حياتهم الطبيعية، بينما يتحدث الشهود عن مدينة أخرى لا تبعد كثيرًا، كانت تتحول أحياؤها في اللحظة نفسها إلى خرائط وأهداف ونقاط مراقبة.
قوة «NAZA» لا تأتي أساسًا من صور الجثث والركام.
الصدمة تأتي من الكلام.
من أشخاص يشرحون مراقبة الهواتف، وتعقب الأفراد، وبناء بنك الأهداف، واستخدام أنظمة قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات والمساعدة في الوصول إلى الأشخاص المطلوبين.
ثم يأتي السؤال الأصعب:
ماذا يحدث عندما يكون الهدف داخل بيت؟
وكم مدنيًا يصبح سقوطهم «مقبولًا» من أجل إصابته؟
هنا ينتقل الفيلم من سؤال عن خطأ جندي أو طيار إلى سؤال عن منظومة كاملة لصناعة القرار.
فالذي يضغط زر الإطلاق ليس سوى الحلقة الأخيرة.
قبله هناك معلومة، ثم تحليل، ثم خوارزمية، ثم تقدير استخباري، ثم موافقة، ثم تحديد مستوى الخسائر المدنية الذي يمكن تحمله.
وهنا يظهر الذكاء الاصطناعي في الفيلم بصورة مختلفة تمامًا عن الصورة التي رُوج لها باعتباره طريقًا إلى حرب أكثر دقة.
فالخوارزمية تستطيع أن تعرف أين يوجد الهاتف.
وتستطيع ربط آلاف البيانات خلال ثوانٍ.
لكنها لا تعرف أن طفلًا ينام خلف الجدار.
ولا تعرف معنى أم تنتظر أبناءها في الغرفة المجاورة.
ولا تقف بعد الضربة لتسأل نفسها إن كان القرار صحيحًا.
الآلة تقترح، لكن الإنسان يوافق.
وهذه ربما الجملة الأخطر في الحكاية كلها.
عندما انتهى العرض، وقف الجمهور طويلًا مصفقًا، في مشهد تحول بحد ذاته إلى جزء من قصة الفيلم، ثم جاء التكريم السينمائي ليؤكد أن «NAZA» لم يعد مجرد وثائقي آخر عن غزة، بل أصبح عملًا دخل مباشرة إلى قلب النقاش العالمي حول الحرب ومسؤولية من أدارها.
وهنا بدأت الأزمة الإسرائيلية.
فإسرائيل تستطيع أن تقول إن شهادة الفلسطيني رواية خصم.
وتستطيع مهاجمة تقرير دولي.
وتستطيع التشكيك بصحفي أجنبي.
لكن ماذا تفعل عندما يأتي الكلام من داخل المؤسسة العسكرية نفسها؟
لهذا سرعان ما انتقل النقاش من مضمون الشهادات إلى أصحابها.
من هم؟
كيف تحدثوا؟
هل كشفوا أسرارًا؟
وهل ينبغي ملاحقتهم؟
وهنا يصبح التحول شديد الدلالة.
بدل أن يكون السؤال: ماذا حدث في غزة؟
يصبح السؤال: من تجرأ على الكلام عما حدث في غزة؟
الجيش الإسرائيلي رفض الصورة التي يقدمها الفيلم، واعتبر أن الشهادات المجهولة لا تكفي للحكم على طريقة عمله، وهذا موقف يجب تسجيله. فالفيلم ليس محكمة، ولا حكمًا قضائيًا.
لكن قيمته لا تكمن في إصدار حكم.
قيمته في أنه يفتح بابًا كان يُراد له أن يبقى مغلقًا.
فالكثير مما يتحدث عنه لم يولد مع الفيلم؛ الحديث عن تقنيات الاستهداف والذكاء الاصطناعي وحدود «الضرر الجانبي» ظهر خلال الحرب أكثر من مرة.
أما الجديد فهو أن أجزاء الصورة تجمعت هذه المرة في وثيقة سينمائية واحدة، وبأصوات خرجت من داخل الجهاز الذي خاض الحرب.
ولهذا قد يبقى «NAZA» طويلًا بعد أن تنتهي المعارك.
ليس لأنه روى كل مأساة غزة، فثمانون دقيقة لا تستطيع حمل كل ذلك الخراب، بل لأنه فعل شيئًا ربما يكون أكثر إزعاجًا لإسرائيل:
أدخل العالم إلى جزء من الغرفة التي كانت تُتخذ فيها القرارات.
فالضحية تستطيع أن تصرخ، والصحفي يستطيع أن يوثّق، والعالم يستطيع أن يشكك.
لكن الرواية تصبح أخطر بكثير عندما يخرج شخص من داخل الآلة نفسها، ويشرح كيف كانت تعمل.
