أخبار

برميل النفط على صفيح ساخن.. الحرب تهدد بدفع برنت إلى 120 دولاراً


المحرر الاقتصادي – دخلت أسواق النفط مرحلة جديدة من التوتر مع تصاعد المخاوف بشأن إمدادات الخام من منطقة الخليج، بعدما دفعت هجمات جديدة على منشآت الطاقة السعودية وتعطل خط الأنابيب السعودي «شرق–غرب» أسعار النفط إلى أكثر من 107 دولارات للبرميل، في وقت تتراجع فيه حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز وتتأجل المساعي الدبلوماسية لخفض مخاطر الملاحة.

وارتفع خام برنت، الثلاثاء، إلى نحو 107 دولارات للبرميل، بينما تجاوز خام غرب تكساس الوسيط 102 دولار، مواصلاً مكاسبه التي جاءت بعد ارتفاعات قوية خلال الجلسات السابقة. وأصبحت الأسواق تترقب الآن ما إذا كان التصعيد سيقود الأسعار إلى نطاق 110–115 دولاراً، أو يفتح الطريق أمام اختبار مستوى 120 دولاراً إذا اتسعت اضطرابات الإمدادات.

وتأتي القفزة الجديدة في الأسعار بعد هجمات ألحقت أضراراً بالبنية التحتية للطاقة في السعودية وأبقت خط الأنابيب «شرق–غرب» خارج الخدمة. ويُعد الخط أحد أهم مسارات نقل النفط داخل المملكة، إذ يستطيع في الظروف الطبيعية إعادة توجيه ما يصل إلى نحو 4 ملايين برميل يومياً بعيداً عن مضيق هرمز، أي ما يعادل قرابة 4% من الإمدادات العالمية. ويثير استمرار توقفه مخاوف من أن تواجه السعودية صعوبة في المحافظة على مستويات صادراتها إذا طال أمد العطل.

من علاوة المخاطر إلى اضطراب فعلي في الإمدادات

وتكمن أهمية التطورات الأخيرة في أن تأثير الحرب على سوق النفط لم يعد مقتصراً على ما يسمى «علاوة المخاطر الجيوسياسية»، بل بدأ يتحول إلى اضطراب فعلي في طرق إنتاج ونقل وتصدير الخام.

فمضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، يشهد اضطرابات كبيرة في حركة الناقلات، بينما تعرض أحد أهم المسارات البديلة، وهو خط شرق–غرب السعودي، لهجوم أدى إلى تعطله. وفي الوقت نفسه، تستمر المخاطر المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب.

وزادت المخاوف بعد إعلان دول خليجية تأجيل محادثات كانت مقررة مع إيران، الأمر الذي اعتبرته الأسواق مؤشراً إلى أن فرص التوصل السريع إلى ترتيبات تقلل مخاطر الملاحة أصبحت أكثر تعقيداً.

 

ويرى محللون أن اجتماع هذه العوامل في الوقت نفسه هو ما جعل الأسواق أكثر حساسية لأي خبر عسكري جديد؛ فكل هجوم على منشأة نفطية أو ناقلة أو طريق تصدير أصبح قابلاً للترجمة فوراً إلى ارتفاع في أسعار العقود الآجلة.

وكالة الطاقة الدولية: صدمة غير مسبوقة في سوق النفط

وتأتي هذه التطورات في وقت حذرت فيه وكالة الطاقة الدولية من التأثير الكبير للحرب على سوق النفط العالمي، مشيرة إلى أن الصراع أدى إلى واحدة من أكبر اضطرابات الإمدادات في تاريخ السوق.

وتوضح الوكالة أن أسعار النفط والغاز شهدت تقلبات شديدة منذ اندلاع الحرب، وأن خام برنت ارتفع في وقت سابق بأكثر من 60% مقارنة بالمستويات التي سبقت الصراع. كما تواصل الوكالة مراقبة انعكاسات الحرب على أسواق الطاقة العالمية، مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الإمدادات.

 

وفي أحدث تقديراتها، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن ينخفض المعروض العالمي من النفط خلال عام 2026 بنحو 5.7 ملايين برميل يومياً، فيما أدى تأخر عودة بعض الإمدادات إلى تمديد فترة الضغط على السوق.

 

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأن سوق النفط العالمي يعمل بهوامش محدودة نسبياً عندما يتعلق الأمر بالإمدادات الفورية؛ ولذلك فإن فقدان عدة ملايين من البراميل يومياً لفترة طويلة يمكن أن يفرض علاوة سعرية كبيرة، حتى لو كانت الأسواق قادرة على تعويض جزء من النقص من خلال المخزونات والإمدادات البديلة.

لماذا لا يزال النفط بعيداً عن 120 دولاراً؟

رغم الارتفاع القوي، فإن بلوغ برنت 120 دولاراً لا يزال مرتبطاً بدرجة التصعيد المقبلة.

فالسوق العالمية تملك بعض أدوات امتصاص الصدمة، من بينها المخزونات النفطية، وزيادة الإنتاج من خارج المنطقة، وإعادة توجيه بعض الشحنات، فضلاً عن إمكانية انخفاض الطلب العالمي إذا بقيت الأسعار مرتفعة لفترة طويلة.

كما أن ارتفاع أسعار النفط نفسه قد يصبح عاملاً يحد من ارتفاعها؛ إذ يؤدي النفط المرتفع إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ورفع التضخم، وتقليص استهلاك الوقود، وهو ما يضعف الطلب على الخام ويحد من قدرة الأسعار على مواصلة الصعود.

وهذا يفسر جزئياً اختلاف تقديرات المؤسسات الدولية عن أسعار السوق الحالية.

فإدارة معلومات الطاقة الأميركية كانت قد توقعت في أحدث تقرير لها أن يبلغ متوسط سعر برنت نحو 90 دولاراً للبرميل في النصف الثاني من 2026، مع توقع تراجع السعر إلى متوسط يقارب 74 دولاراً في 2027 مع ارتفاع الإنتاج وإعادة بناء المخزونات. إلا أن هذه التوقعات تعكس افتراضات بشأن تطور الإمدادات والمخزونات، بينما التطورات العسكرية الأخيرة قد تغير مسار السوق سريعاً.

 

110 دولارات هي الاختبار الأول

ويرى مراقبو السوق أن تجاوز برنت مستوى 107 دولارات يضع مستوى 110 دولارات باعتباره الاختبار النفسي والفني التالي.

فإذا تمكن الخام من الاستقرار فوق 110 دولارات مع استمرار اضطرابات الملاحة وتعطل خط شرق–غرب، فإن الأسواق قد تبدأ في تسعير سيناريو أكثر تشدداً، يتراوح بين 115 و120 دولاراً.

أما إذا نجحت الجهود الدبلوماسية في إعادة الملاحة عبر مضيق هرمز، وتم إصلاح خط الأنابيب السعودي سريعاً، فقد تشهد الأسعار تراجعاً سريعاً، خصوصاً إذا بدأت الأسواق في تسعير عودة الإمدادات.

وبالتالي، فإن اتجاه النفط خلال الأسابيع المقبلة لن يتحدد فقط بحجم الإنتاج المفقود، وإنما بمدة استمرار تعطله.

السيناريو الأكثر خطورة: اتساع الحرب

ويتمثل السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة لأسواق الطاقة في انتقال الحرب إلى مرحلة تستهدف فيها منشآت إنتاج وتصدير النفط بصورة أوسع، أو استمرار تعطيل مضيق هرمز لفترة طويلة بالتزامن مع توقف المسارات البديلة.

وفي هذه الحالة، يمكن أن ينتقل برنت إلى نطاق 115–125 دولاراً، مع إمكانية تسجيل قمم أعلى بصورة مؤقتة إذا تعرضت صادرات الخليج لاضطراب واسع.

أما إذا بدأت حركة الملاحة في هرمز بالعودة إلى طبيعتها، وتم تشغيل خط شرق–غرب السعودي، فإن الأسعار قد تفقد جزءاً كبيراً من علاوة المخاطر التي اكتسبتها خلال فترة التصعيد، وهو ما قد يعيد برنت إلى نطاق 90–100 دولار أو أقل، بحسب سرعة عودة الإنتاج والمخزونات.

الخطر لا يتعلق بالبنزين وحده

ولا يقتصر تأثير ارتفاع النفط على سعر الخام نفسه، إذ بدأت الأسواق تنظر بصورة متزايدة إلى سوق المنتجات النفطية، ولا سيما الديزل.

وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى تعرض إمدادات الديزل والمنتجات النفطية لضغوط قوية، في وقت أدت فيه اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط والهجمات التي طالت منشآت ومسارات نقل الطاقة إلى زيادة الضغوط على الأسواق.

ويعتبر ارتفاع الديزل أكثر خطورة اقتصادياً من ارتفاع الخام وحده، لأن تأثيره ينتقل مباشرة إلى تكلفة النقل والشحن والزراعة والصناعة، ومن ثم إلى أسعار السلع والغذاء.

كما أن ارتفاع النفط بدأ ينعكس على الأسواق المالية العالمية. فقد قفز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى نحو 5.02%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007، وسط مخاوف من أن يؤدي ارتفاع الطاقة إلى إبقاء التضخم مرتفعاً وإجبار البنوك المركزية على الإبقاء على سياسة نقدية أكثر تشدداً.

النفط بين 90 و125 دولاراً

وفي ضوء المعطيات الحالية، تبدو سوق النفط أمام ثلاثة مسارات رئيسية.

المسار الأول هو التهدئة السريعة، وفيه يمكن أن يتراجع برنت باتجاه 90–100 دولار إذا عادت حركة الملاحة والإمدادات.

والمسار الثاني هو استمرار الحرب بالمستوى الحالي، وهو ما قد يبقي النفط في نطاق 105–115 دولاراً، مع بقاء خطر القفزات السعرية قائماً عند كل تطور عسكري جديد.

أما المسار الثالث فهو التصعيد الإقليمي الواسع، وفيه يصبح تجاوز 120 دولاراً احتمالاً جدياً، خصوصاً إذا تعطلت صادرات الخليج لفترة طويلة أو تعرضت منشآت إضافية للإصابة.

وهذه المستويات ليست توقعات مؤكدة، وإنما نطاقات محتملة تعتمد بصورة أساسية على تطورات الحرب وحركة الإمدادات.

هل النفط مرشح للارتفاع أكثر؟

الإجابة الأقرب إلى واقع السوق حالياً هي نعم، على المدى القصير، لكن الارتفاع ليس مضموناً ولا خطاً مستقيماً.

فمع وجود برنت فوق 107 دولارات، أصبحت السوق بالفعل في منطقة سعرية تعكس قدراً كبيراً من المخاطر الجيوسياسية. وإذا استمرت الهجمات وتعطلت طرق التصدير، فإن الوصول إلى 110 ثم 115 دولاراً يبدو أكثر قابلية للتحقق.

لكن بلوغ 120 دولاراً يحتاج إلى عامل إضافي يتمثل في استمرار أو اتساع فقدان الإمدادات، بينما قد يؤدي أي انفراج سياسي أو عودة سريعة للملاحة إلى هبوط حاد للأسعار.

ولهذا أصبحت مدة تعطل الإمدادات العامل الأكثر أهمية في تحديد السعر، وليس مجرد استمرار الحرب بحد ذاته.

وفي الوقت الراهن، تظل الأسواق عالقة بين قوتين متعاكستين: حرب تدفع الأسعار إلى الأعلى عبر تهديد الإمدادات، واقتصاد عالمي قد يبدأ في خفض الطلب إذا استمرت الأسعار المرتفعة.

وبين هذين العاملين، يبدو مستوى 110 دولارات للبرميل هو المحطة الأقرب، فيما يبقى مستوى 120 دولاراً سيناريو تصعيدياً قابلاً للتحقق إذا استمرت اضطرابات الخليج واتسعت رقعة الحرب.

أما المفاجأة الأكبر للأسواق، فلن تكون في وصول النفط إلى 120 دولاراً فقط، بل في استمرار بقائه عند هذه المستويات لأسابيع؛ إذ إن ذلك سيحوّل صدمة الطاقة من أزمة في سوق النفط إلى مشكلة تضخم ونمو عالمي وسياسة نقدية وأسعار نقل وغذاء.



Source link

السابق
استشهاد مواطن متأثرًا بإصابته برصاص الاحتلال في مدينة البيرة
التالي
تشكيلات تشمل متصرفين ومدراء اقضية في الداخلية (اسماء) #عاجل