أخبار

فردة حذاء.. وآلاف الأقدام المنسية! #عاجل


كتب – اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني – قد تبدو قصة إعلان شركة «أديداس» مجرد خطأ في اختيار شخصية دعائية، لكنها في سياق حرب غزة تكشف مفارقة أخلاقية مؤلمة: من يُمنح حق الظهور، ومن يُترك خارج الصورة؟

روّجت الشركة لحذاء يمكن شراء فردة واحدة منه لمبتوري الأطراف، واختارت ضمن حملتها جندياً صهيونيا سابقاً فقد ساقه عام 2021. وبعد موجة الانتقادات، اعتذرت الشركة وسحبت الحملة.

لكن الاعتذار لا يلغي السؤال الأهم: لماذا ظهر جندي صهيوني سابق بوصفه وجهاً لحملة عالمية، بينما غابت عنها آلاف الوجوه الفلسطينية التي فقدت أطرافها في غزة؟

غزة… حيث لا تكفي فردة الحذاء

وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، شهدت غزة أكثر من 5,000 عملية بتر منذ بداية الحرب، إضافة إلى أكثر من 22 ألف إصابة بالغة في الأطراف، وبين هؤلاء أطفال فقدوا أطرافهم وهم في مقتبل العمر.

ومأساة هؤلاء لا تنتهي عند غرفة العمليات. فالبتر يعني حاجة طويلة إلى الأطراف الصناعية والعلاج الطبيعي والتأهيل النفسي والرعاية المستمرة، وهي احتياجات يصعب توفيرها في قطاع دمرته الحرب وقضت على نظامه الصحي.

هنا تصبح صورة الإعلان قاسية في رمزيتها.

جندي صهيوني مجرم سابق فقد ساقه يجد مساحة في حملة عالمية لبيع حذاء، بينما آلاف الفلسطينيين الذين فقدوا أطرافهم في غزة لا يجد كثير منهم مستشفى آمناً، ولا طرفاً صناعياً، ولا مركز تأهيل، ولا حتى ضمانة بأن الغد سيمنحهم فرصة لاستعادة شيء من حياتهم.

من يُرى ومن لا يُرى؟

ليست المشكلة في ظهور شخص مبتور في إعلان؛ فمن حق الأشخاص ذوي الإعاقة أن يظهروا في الإعلام والحياة العامة باعتبارهم قادرين وفاعلين، لا موضع شفقة. المشكلة في السياق والاختيار والتجاهل.

فالحملة لم تختر مجرد إنسان مبتور القدم ليروي تجربة التغلب على الإعاقة؛ لقد اختارت جندياً سابقاً في جيش الدولة التي شنت حربا مدمرة على غزة، ومنحته منصة عالمية، بينما غابت عن المشهد آلاف الضحايا الفلسطينيين الذين فقدوا أطرافهم في هذه الحرب.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً: يظهر المعتدي ومجرم الحرب في صورة الإنسان الذي تغلب على إصابته، بينما تختفي صور ضحايا العدوان الذين دفعوا الثمن الأكبر.

وهكذا لا تعود المسألة مجرد إعلان تجاري، بل تصبح، شاءت الشركة أم لم تشأ، جزءاً من معركة الصورة والرواية: من يظهر للعالم؟ ومن يُحرم حتى من فرصة أن تُرى مأساته؟

كان يجب أن تكون الرسالة مختلفة

كان يفترض أن تجعل «أديداس» حملتها فرصة للحديث عن مبتوري الأطراف في العالم كله، وأن تفتح نافذة على مأساة غزة، حيث يحتاج آلاف المصابين إلى الأطراف الصناعية والتأهيل وإعادة بناء حياتهم.

كان يمكن لفردة الحذاء الواحدة أن تصبح رمزاً للتضامن مع الضحايا، لا منصةً تروّج لصورة أحد أفراد الطرف المعتدي بينما تغيب عنها صور ضحايا العدوان.

الاعتذار خطوة ضرورية، لكنه لا يمحو السؤال الأخلاقي الذي كشفته الحملة: في زمن الحرب، لا تكون الصورة محايدة؛ فمن نختاره ليظهر، ومن نتركه غائباً، كلاهما يحمل رسالة.

وغزة لا تحتاج إلى إعلان يروي مأساتها نيابة عنها؛ تحتاج إلى أن يراها العالم كما هي: آلاف الأطفال والنساء والرجال الذين فقدوا أطرافهم، ولا يزالون ينتظرون العلاج والتأهيل وفرصة لاستعادة حياتهم.

فالمشكلة لم تكن في فردة حذاء واحدة، بل في أن الحملة أعطت مساحة لصورة الجلاد المعتدي، بينما تركت آلاف الضحايا المبتورين في غزة خارج الصورة.

 

 



Source link

السابق
أكثر من 2500 كاميرا لمراقبة الحركة المرورية