قراءة نقدية هادئة في نتائج الأردن في اختبار بيزا (2025 PISA) بين التعافي من التراجع والمقارنة بالذات بدل الآخرين
تحسن الأردن ومقارنتة بعام 2022 غير موضوعية لانه اخفق في استعادة مستوى أدائه في عام 2018
المرحلة المقبلة هي استخلاص الدروس وبناء سياسات تعليمية قادرة على تحقيق قفزة نوعية ومستدامة في الأداء
الأمم لا تتقدم لأنها استعادت ما فقدته، وإنما لأنها تجاوزت ما كانت عليه ونجحت في أن تكون أفضل من الآخرين لا أفضل من نفسها فقط
كتب – د. محمد أبو غزله/ خبير تربوي
شارك الأردن في دورة الدراسة الدولية PISA 2025 باكثر من 760 ألف طالب وطالبة يمثلون نحو 33 مليونا من طلبة سن الخامسة عشرة في 91 دولة اقتصاد وكيانات، وتركزت الدورة بصورة رئيسة على العلوم كمجور اساس لهذه الدورة إلى جانب القرائية والرياضيات وحل المشكلات الحاسوبي، ويشير التقرير الدولي إلى أن الأردن كان من بين الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تحسن أداؤها في العلوم بين 2022 و2025.
وقد أثارت نتائج الدورة الجديدة من الدراسة الدولية لتقييم الطلبة PISA 2025 اهتماما واسعا خصوصا بعد أن أظهرت تحسنا في أداء الأردن في المجالات الثلاثة: العلوم والقراءة والرياضيات، ولا شك أن هذا التحسن يمثل مؤشرا إيجابيا ينبغي تشجيعه للمضي قدما خصوصا أن الأردن كان من الأنظمة التعليمية التي سجلت تحسنا في المجالات الثلاثة في عام 2007 وفي عام 2018 وعاد ونتكست النتائج في عام 2022 وبالعودة تاريخيا إلى المشاركة الأردنية في هذا الاختبار وبالاستناد إلى بيانات OECDالجهة المنظمة والمسؤولة عن الاختبارات يمكننا بناء السلسلة التاريخية الكاملة لأداء الأردن في PISA من أول مشاركة عام 2006 والتي صدرت نتائجها في عام 2007 وحتى مشاركتنا الاخيرة في عام 2025 ويبين الجدول التالي السلسة التاريخية لاتجاهات مشاركة الأردن في هذه الدراسة الدولية، مع ملاحظة بأنه لا ينبغي التعامل مع القراءة والعلوم باعتبارهما سلسلة زمنية متصلة تماما بين 2018 و2022؛ فقد انتقل الأردن في 2022 من الاختبار الورقي إلى الحاسوبي، وتوضح OECD أن درجات القراءة والعلوم السابقة كانت مرتبطة بالقياس الدولي ارتباطا ضعيفا، ولذلك اقتصرت مقارنة الاتجاهات الرسمية للأردن على الرياضيات.
ويكشف تحليل الجدول اعلاه نتائج الأردن في برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) منذ أول مشاركة عام 2006 وحتى 2025 عن مسار تعليمي يستحق التوقف عنده، إذ لم يكن الأداء في المشاركات السبع في حالة تراجع مستمر بل مر بمراحل من الاستقرار والتحسن ثم انتكاسة حادة تلتها محاولة تعاف وفي كل مرة تكون هناك مبررات تربوية علمية وغير علمية.
لقد كانت ت نتائج مشاركة الأردن عام 2006 عند( 401 )نقطة في القراءة، و (384)في الرياضيات، و ( 422 ) فيالعلوم، واستمرت النتائج خلال دورات 2009 و2012 و2015 ضمن مستويات متقاربة قبل أن يصل الأردن في عام 2018 إلى أفضل نتائجه المسجلة في المجالات الثلاثة( 419) في القراءة، و(400) في الرياضيات، و (429 ) في العلوم غير أن دورة 2022 كشفت عن تراجع كبير ولا سيما في الرياضيات التي انخفضت إلى( 361 )نقطة وتصدرنا ذيل القائمة الدولية وقدمنا مبررات أن جائحة كوفيد-19 هي من أثرت على النتائج مع أن جميع الدول تأثرت بهذه الجائحة وأثرت في المدارس والطلبة والمعلمين في معظم دول العالم لكنها حافظت على تقدمها ولذا لا ينبغي أن نحويل الجائحة إلى تفسير شامل لكل تراجع حدث في النظام التعليمي الأردني ، ثم جاء عام 2025 ليظهر تحسنا واضحا مقارنة بـ2022، فوصلت الرياضيات إلى
( 388 )نقطة، والعلوم إلى( 407 )نقاط، والقراءة إلى( 363 نقطة) على الرغم من انخفاض المتوسط الدولي لهذه الدورة عن المتوسط الدولي لدورة 2022 ،ومع ذلك فإن القراءة الموضوعية للمسار لا تسمح باعتبار هذا التحسن تقدما مكتملا يحتاج إلى اعلان التوفق على الدول العربية أو غيرها بأنه اكثر الدول تحسنا في النتائج مع أن الدول الاخرى كانت متقدمة أصلا ولم تتراجع في تاريخ مشاركتها ، كما أن نتائج الأردن في 2025 لم تبلغ المستوى الذي كان فيه عام وانما كانت التحسن في اسواء نتيجة عام 20218 وليس مقارنه باحسن نتيجة وهنا المفارقة في الاحتفال الذي اعلن اعلنت فيه النتائج ، على الرغم أنه ما زالت الرياضيات أقل بـ (12) نقطة من 2018، والعلوم أقل ب(ـ22 )نقطة، والقراءة أقل ب (ـ56) نقطة، مع ضرورة الحذر عند مقارنة القراءة والعلوم قبل وبعد 2022 بسبب تغيير نمط الاختبار كما اشرنا سابقا.
ومن هنا فإن السؤال التربوي الأهم لا ينبغي أن يكون: كم تحسن الأردن منذ 2022؟، وإنما: لماذا لم يستطع الأردن حتى الآن استعادة مستوى 2018، وما الذي يلزم لتجاوز ذلك المستوى؟ فالتحسن عن سنة متراجعة يمثل تعافيا، لكنه لا يعني بالضرورة تقدما في المسار التعليمي، والتقدم الحقيقي هو أن يستعيد الأردن ما فقده أولا ثم يتجاوز أفضل نتائجه السابقة، ويقترب في الوقت نفسه من الدول العربية والدول التعليمية المتقدمة.
وهذه القراءة تصبح أكثر أهمية في ضوء أن OECD نفسها تصف مسار الأردن حتى 2018 بأنه كان يتحسن في المجالات الثلاثة، بينما جاءت نتائج 2025 بعد تراجع 2022 لتؤكد أن استعادة المسار السابق ما زالت مهمة لم تكتمل بعد، وهنا يطرح السؤوال التالي : وبعيدا عن الاحتفال بالأرقام، وهو:هل يكفي أن نقول إن الأردن تحسن مقارنة بعام 2022؟ أم أن علينا أن نسأل أين أصبح الأردن مقارنة بالدول الأخرى، وأين أصبح مقارنة بالمستوى الذي كان قد حققه بنفسه في عام 2018؟ وعليه فالقراءة الحقيقية للنتائج والمقارنة الحقيقية ليست مع أنفسنا فقط لتكون النتائج أكثر عمقا، كما أن من الأخطاء التي قد نقع فيها عند قراءة نتائج الاختبارات الدولية أن نحولها إلى مؤشرات لتحسننا الداخلي فقط فنقول: ارتفعت نتيجتنا عن الدورة السابقة واننا من الدول القلائل التي حققت تقدما في الموضوعات الثلاث وكنا اكثر دولة عربية تتقدم، وبالتالي نحن تقدمنا، ومن هنا فإن بيزا PISA ليست امتحانا او اختبارا وطنيا يقاس النجاح فيه فقط بارتفاع العلامة من عام إلى آخر، ولكن إنها دراسة دولية هدفها الأساسي أن نعرف موقع نظامنا التعليمي مقارنة بالأنظمة التعليمية الأخرى ومن العربية التي نفتخر باننا حققنا هذه الدورة اكبر كسب في النتائج مع ان هذه الدولة متقدمة اصلا علينا إضافة إلى إذا ارتفعت نتيجة الأردن في هذه الدورة فإن هناك دول اخرى ارتفعت نتائجها بمعدلات أكبر، لذا فإن موقعنا النسبي قد لا يتحسن وربما يتراجع.
كما أن السؤال الصحيح ليس فقط:كم نقطة أضفنا؟ بل:كم أصبح الفارق بيننا وبين الدول التي نريد أن ننافسها؟، كما أن الأهم:هل تحسن موقعنا الدولي والعربي؟، فهذه هي هي القراءة التي يجب أن تحكم تقييم نتائج PISA في الأردن.، مع أهمية الاشارة إلى أن نتائجنا تحسنت في العام 2025 ولكن سجل الأردن في PISA 2025 ( 407) نقاط في العلوم، و(363) نقطة في القراءة، و ( 388) نقطة في الرياضيات، وهي نتائج أفضل من نتائج عام 2022، عندما سجل الأردن( 375 )نقطة في العلوم، و (342 ) في القراءة، و( 361) في الرياضيات، ولذا من حيث مقدار التغير ارتفعت العلوم 32 نقطة، والقراءة 21 نقطة تقريبًا، والرياضيات 27 نقطةن وهذا كما قلنا تحسن حقيقي لا ينبغي إنكاره أو التقليل منه لكن الخطأ هو أن نتوقف هنا.
كما أن التقرير الدولي نفسه يؤكد أن الاتجاهات الإيجابية ينبغي أن تقرأ في ضوء نقطة البداية ومستوى الأداء وتوزيع التحصيل، كما أنه يصنف الأردن ضمن الأنظمة ذات الأداء المنخفض التي يبدو أنها تحاول اللحاق بالركب، وهذا يعني أن ارتفاع النتيجة لا يعني تلقائيا أن النظام التعليمي أصبح قويا أو تنافسيا، ولذا ربما تكون أهم نقطة في قراءة نتائج الأردن الحالية هي العودة إلى دورة عام 2018 والتي سجل فيها نقطة( 419 )في القراءة،و( 400) نقطة في الرياضيات، و ( 429) نقطة في العلوم، وليس في دورة 2022، أما في دورة 2025، فقد أصبح( 363) في القراءة، و ( 388 ) في الرياضيات، و (407) في العلوم، وهنا تظهر الحقيقة التي يجب ألا تضيع في زحام الاحتفال والحديث عن التحسن،فالأردن في 2025 لم يصل بعد إلى مستوى أدائه في 2018، والدليل على ذلك أن الرياضيات، وهي المجال الذي يمكن تتبع الاتجاه الزمني فيه بصورة أكثر اتساقًا كان الأردن عند( 400) نقطة في دورة 2018، ثم هبط إلى ( 361) نقطة في دورة 2022، قبل أن يرتفع إلى(388 ) نقطة فيدورة 2025، بمعني أننا استعدنا جزءا كبيرا من التراجع ،وبعبارة أخرى فإن التحسن بين دورة 2022 ودورة 2025 يمثل تعافيا مهما لكنه ليس بعدعودة كاملة إلى المستوى السابق، وهذه هي النقطة الجوهرية عند تقييم أداء أي نظام تعليمي كما أن المطلوب تربويا وإداريا ليس فقط الانتقال من التراجع إلى التعافي بل المطلوب هو الانتقال من التعافي إلى الاستعادة والتجاوز وصولا للمنافسة بصورة مستدامة فليس منطقيا أن يكون طموحنا أن نستعيد ما كنا قد حققناه قبل سنوات، بينما تتقدم أنظمة تعليمية أخرى إلى الأمام وخاصة .
وإذا ما قارنا موقع الأردن بالدول العربية المشاركة في PISA 2025، نجد أن الأردن يحتل موقعا متوسطا فهو ليس في مقدمة المجموعة العربية كما أنه ليس في ذيلها ففي العلوم على سبيل المثال جاءت الإمارات في مستوى أعلى من الأردن، وكذلك قطر والسعودية، بينما جاءت دول عربية أخرى دون المستوى الأردني، ويظهر جدول النتائج الدولية أن الأردن سجل( 407) نقاط في العلوم مقارنة( 434 ) لقطر و ( 413 ) للسعودية في حين جاءت نتائج لبنان والسلطة الفلسطينية والمغرب واقليم كرستادن أدنى من الأردن، والجميع يعلم الظروف التي تمر فيها هذه الدولة كما أن اقليم كردستان لا يعد دولة وانما كيان معترف به سياسا وبالتالي إذا تخلينا عن المثل ” عنزة ولوطارت” لقلنا أننها ما زلنا في مكناك سر ، وهذه المقارنة مهمة لأنها تعطينا صورة أكثر واقعية من مجرد القول إن نتائج الأردن تحسنت، فقد تحسن النتائج نعم، ولكن السؤال الاستراتيجي هو: هل تحسن بالسرعة الكافية؟ وهل نستطيع أن نصل إلى الدول العربية المتقدمة في الأداء؟
وهنا علينا أن لا نبالغ لا بالاحتفال باستعادة ما فقدناه فقط، مع إن استعادة( 27 )نقطة في الرياضيات بين 2022 و2025 أمر إيجابي لكن إذا كنا قد فقدنا( 39 ) نقطة تقريبا بين 2018 و2022، ثم استعدنا( 27 ) منها، فإننا ما زلنا بحاجة إلى استعادة الفارق المتبقي وهو (12) نقطة حتى نعود إلى نقطة 2018، ومن هنا يجب أن نفرق بين مفهومين:التحسن Improvement، ومفهوم والتقدم Progress ، وعليه قد نتحسن عن العام السابق لكننا لا نكون قد حققنا تقدما حقيقيا إذا لم نصل إلى مستوى أفضل من أفضل أداء سابق، أو إذا لم يتحسن موقعنا مقارنة بالأنظمة المنافسة وليس المقارنة مع أنفسنا ، وهذا التمييز بالغ الأهمية في إدارة السياسات التعليمية.
وعليه نقول للقائمين على إدارة النظام التعليمي والمنفذين له من ادارات تربوية ومدرسية ومعلمين وطلبة واولياء الامور بوركت جهودكم، وبعيدا عن كل المتغيرات التي تؤثر في النتائج وعن تقليل الفجوات بين الذكور والاناث والتي اكد التقرير انه طلبة الاردن ذكور واناث لم يتجاوز الكفايات الاساسية او يتقنون الكفايات الاعلي وهذا بحد ذاته لا يشير يعكس حجم الفرح والنشوة بالتحسن ، بالاضافة إلى الفرحة في تقليل الفجوة بين التعليم الحكومي والخاص، والبيئات الجغرافية ونقول لصانع القرار تحديدا التفوق على طلبة المدارس الخاصة أو الأونروا او غيرها في نفس الدولة ليس فخرا لأنهم طلبة أردنييون وهم تحت مظلة النظام التعليمي، وبنفس الوقت إن نتائج PISA 2025 لا تستدعي التشاؤم لكنها أيضا لا تبرر الاطمئنان والركون، فهي تقول لنا بوضوح: هناك تحسن، ولكن ما زالت أمامنا فجوة بل فجوات كما أن وجودنا في موقع متوسط عربيا يعني أن أمامنا فرصة حقيقية للتقدم، بشرط ألا يتحول التحسن الحالي إلى هدف احتفالي بحد ذاته يسجل في حقبة صانع القرار، فالهدف ليس أن نقولتحسنّا، بل أن نستطيع بعد دورة PISA القادمة أن نقول:تجاوزنا أفضل نتيجة حققناها سابقا، وتحسن موقعنا بين الدول، وارتفعت نسبة الطلبة الذين يمتلكون الحد الأدنى من الكفايات، واتسعت قاعدة الطلبة ذوي الأداء المرتفع.”، كما من المهم التركيز على أن لا نقارن أنفسنا بأمس فقط بل أهم درس يمكن استخلاصه من دورة PISA 2025 هو أن المقارنة مع الذات ضرورية، لكنها غير كافية وتخدم معرفة توجهانا، لكن يجب في الوقت نفسه أن نقارنه بالآخرين لمعرفة موقعه الحقيقي، كما يجب أن نقارن نتائج دورة 2025 بدورة عام 2018 حتى نعرف هل استعدنا المستوى الذي كنا عليه قبل التراجع.
لذلك فإن القراءة الأكثر موضوعية لنتائج الأردن يمكن اختصارها في ثلاث جمل أساسية وهي أن تحسن الأردن ومقارنتة بعام 2022 غير موضوعية لانه اخفق في استعادة مستوى أدائه في عام 2018، ولذا هناك حاجة إلى تحسين موقعه مقارنة بالدول العربية والدول التعليمية المتقدمة، كما أن المرحلة المقبلة يجب ألا تكون مرحلة البحث عن مبررات للتراجع، ولا مرحلة الاكتفاء بالاحتفاء بالتحسن والتطبيل له والنوم علي ما تحقق، وإنما مرحلة استخلاص الدروس وبناء سياسات تعليمية قادرة على تحقيق قفزة نوعية ومستدامة في الأداء لأن الأمم لا تتقدم لأنها استعادت ما فقدته، وإنما لأنها تجاوزت ما كانت عليه ونجحت في أن تكون أفضل من الآخرين لا أفضل من نفسها فقط ولا تحتفي بكم تحسنا عن عام 2022 بل لماذا لم نعد إلى مستونا في دورة 2018، ومتى سنصبح أفضل منها ، ومتى و كيف نريد أن يكون الأردن بين أفضل الأنظمة التعليمية كما كان؟ وهذا السؤال الوطني الذي يفترض ان يجاب عليه من قبل القائمين على النظام التعليمي .
