أخبار

هل انتهى زمن الأمن المصنوع في واشنطن؟


 كتب – حلمي الأسمر

في القاهرة، حدث شيء يستحق التوقف أمامه طويلًا. الرئيس الصيني شي جين بينغ لم يأتِ إلى مصر ليضيف اتفاقًا اقتصاديًا جديدًا إلى قائمة طويلة من الاتفاقات، ولم يكتفِ بالحديث المعتاد عن التجارة والاستثمار والطاقة ومشروعات البنية التحتية. ما طرحه هذه المرة يتصل بجوهر المسألة التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: من يملك حق تحديد أمن هذه المنطقة، ومن يقرر شكل علاقاتها، ومن يملك مفاتيح الحرب والسلام فيها؟ عندما يتحدث الرئيس الصيني عن بناء هيكل أمني جديد للشرق الأوسط، قائم على الأمن المشترك، والحوار بين دول المنطقة، ورفض التدخل الخارجي، واحترام السيادة، فإننا أمام فكرة تتجاوز حدود المبادرة الدبلوماسية؛ لأن معناها المباشر أن زمن إدارة المنطقة من خارجها لم يعد أمرًا مسلمًا به.

طوال عقود طويلة، تعودت المنطقة على أن يكون الأمن ملفًا أمريكيًا بامتياز. واشنطن بنت شبكة واسعة من التحالفات والقواعد العسكرية، وأصبحت المورد الأكبر للسلاح، وصاحبة النفوذ الأوسع في تحديد اتجاهات السياسة الإقليمية، حتى صار من الصعب الفصل بين أمن الخليج والسياسة الأمريكية، أو بين أمن إسرائيل والاستراتيجية الأمريكية، أو بين كثير من أزمات المنطقة وبين الحسابات التي تُصنع في واشنطن. لم يكن العرب دائمًا متفقين مع هذه السياسة، بل دخلوا معها في خلافات حادة في أحيان كثيرة، لكنهم ظلوا يتحركون داخل النظام الذي فرضته موازين القوة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا النظام تعرض خلال السنوات الأخيرة لاختبارات كثيرة، من العراق إلى سوريا وليبيا واليمن، وصولًا إلى غزة، حيث بدا العجز الغربي عن إنتاج تسوية عادلة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

الصين تلتقط هذه اللحظة جيدًا. وهي لا تدخل الشرق الأوسط بالطريقة التي دخلت بها القوى الاستعمارية القديمة، ولا تحمل معها مشروع احتلال أو إعادة رسم مباشر للخرائط. دخلت أولًا من بوابة الاقتصاد، ووجدت نفسها بعد سنوات أمام شبكة هائلة من المصالح تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر ومصر، ومن الطاقة إلى الموانئ والطرق التجارية. وحين تصبح مصالح دولة بحجم الصين مرتبطة بهذا القدر من استقرار المنطقة، يصبح من الطبيعي أن تبدأ في التفكير في أمنها أيضًا. ولذلك فإن الحديث الصيني الجديد عن هيكل أمني للشرق الأوسط يبدو امتدادًا لمسار طويل، وليس فكرة ظهرت فجأة في القاهرة.

والعبارة التي تستحق الانتباه أكثر من غيرها هي أن شعوب المنطقة ودولها أحق بإدارة شؤونها. هذه العبارة تحمل في داخلها نقدًا واضحًا لفكرة ظلت حاضرة في السياسة الدولية سنوات طويلة، وهي أن الشرق الأوسط يحتاج دائمًا إلى قوة خارجية تمسك بتوازناته وتمنع انفجارها. التجربة أثبتت أن هذا النوع من الأمن كان قادرًا على تجميد بعض الصراعات، لكنه لم يكن قادرًا على معالجة أسبابها. بقي الاحتلال، وبقيت القضية الفلسطينية، واستمرت النزاعات الإقليمية، وتراكم السلاح، وتوسعت الفجوة بين دول المنطقة ومجتمعاتها، فيما كانت القوى الكبرى تتعامل مع كل أزمة وفق مصالحها وحساباتها الخاصة.

ومن هنا تبدو الإشارة الصينية إلى فلسطين مهمة جدًا. فبكين تضع القضية الفلسطينية في قلب قضية الشرق الأوسط، في وقت حاولت فيه بعض المقاربات الغربية أن تتعامل معها باعتبارها ملفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد بناء ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة في المنطقة. جاءت حرب غزة لتكشف مرة أخرى استحالة هذا التصور. لا يمكن أن تُبنى منظومة استقرار إقليمية فوق أرض مشتعلة، ولا يمكن أن تتحول فلسطين إلى تفصيل صغير في مشروع أكبر لإعادة ترتيب الشرق الأوسط. وما دامت أسباب الصراع موجودة، فإن كل حديث عن أمن دائم سيبقى ناقصًا مهما كثرت الاتفاقات والتحالفات.

ولعل اختيار القاهرة مكانًا لطرح هذه الرؤية ليس تفصيلًا عابرًا. مصر تمتلك موقعًا لا يمكن تجاوزه في أي تصور لأمن المنطقة. قناة السويس تربط طرق التجارة العالمية، والبحر الأحمر يلامس الأمن العربي والدولي، وفلسطين تقع على حدودها، وهي دولة تمتلك وزنًا سياسيًا وعسكريًا وتاريخيًا يجعلها إحدى أهم عواصم الشرق الأوسط. ولذلك فإن الرسالة الصينية من القاهرة يمكن قراءتها باعتبارها حديثًا إلى المنطقة كلها، خصوصًا أن بكين أصبحت خلال السنوات الماضية شريكًا اقتصاديًا مهمًا لمصر، فيما تتوسع علاقاتها مع معظم دول الخليج وإيران وتركيا وغيرها.

المثير في التصور الصيني أنه لا يحصر الأمن في الجيوش والصواريخ. التنمية جزء منه، واستقرار طرق التجارة جزء منه، وتقريب المصالح الاقتصادية بين دول المنطقة جزء منه. وهذه رؤية تشبه إلى حد كبير الطريقة التي بنت بها الصين نفوذها خلال السنوات الماضية: المصالح الاقتصادية أولًا، ثم العلاقات السياسية، ثم الحضور الدبلوماسي الذي يتيح لها أن تكون طرفًا عندما تصل الأزمات إلى لحظة تحتاج فيها إلى وساطة أو ضمانات. وقد رأينا ذلك بوضوح في الاتفاق السعودي الإيراني الذي رعته بكين. لم تكن الصين يومها تحاول أن تصبح شرطي الخليج، وإنما أثبتت أنها تستطيع أن تؤدي دورًا لم تعد واشنطن وحدها قادرة على احتكاره.

وهنا تظهر المسألة الأهم. الولايات المتحدة لن تخرج من الشرق الأوسط غدًا، ولا يبدو أن الصين تريد دفعها إلى الخروج بهذه الطريقة. المصالح الأمريكية كبيرة، والقواعد موجودة، وعلاقات واشنطن العسكرية والسياسية مع عدد من دول المنطقة عميقة. لكن شيئًا تغير في السنوات الأخيرة: الدول العربية لم تعد ترى العالم من خلال نافذة واحدة. وهي توسع علاقاتها مع الصين وروسيا والهند وأوروبا، وتحاول أن تجد لنفسها هامشًا أكبر للمناورة، بعدما أدركت أن الاعتماد الكامل على قوة واحدة يجعل قرارها الخارجي شديد الحساسية لأي تغير في سياسات تلك القوة.

وهذا ربما يكون التحول الحقيقي الذي يستحق المتابعة. فالمسألة ليست وصول الصين إلى الشرق الأوسط، فهي موجودة منذ سنوات، وإنما انتقال المنطقة نفسها إلى مرحلة تستطيع فيها تنويع علاقاتها الدولية. وعندما يصبح للدولة أكثر من خيار، تتغير طبيعة العلاقة مع كل شريك. يصبح التفاوض أكثر اتساعًا، وتصبح القدرة على رفض بعض الشروط أكبر، وتصبح المصالح الوطنية حاضرة بصورة أوضح في الحسابات الخارجية.

لكن نجاح هذا التحول يتوقف في النهاية على العرب أنفسهم. فالصين تستطيع أن تقدم شراكات واستثمارات وتكنولوجيا، ويمكنها أن تلعب دورًا سياسيًا أكبر، وروسيا تستطيع أن تقدم لنفسها مساحة في المعادلة، والولايات المتحدة ستظل قوة دولية كبرى، لكن لا تستطيع أي قوة خارجية أن تمنح المنطقة استقلال قرارها إذا لم تكن دولها مستعدة لبناء هذا الاستقلال. الخطر الحقيقي هو أن تتحول المنافسة بين القوى الكبرى إلى سوق جديدة للنفوذ، وأن يجد العرب أنفسهم مرة أخرى يتنقلون من مظلة إلى مظلة من دون أن تتغير قواعد اللعبة.

لذلك فإن الدعوة الصينية تستحق أن تُقرأ بعيون عربية لا بعيون صينية. ماذا يعني أن تصبح دول الشرق الأوسط أحق بإدارة أمنها؟ وهل تستطيع الدول العربية بناء تفاهمات تقلل احتمالات الحرب، وتحمي الممرات البحرية، وتفتح أبواب التعاون الاقتصادي، وتضع حدًا للصراعات التي استنزفت المنطقة، وتعيد فلسطين إلى مكانها الطبيعي في أي تصور للسلام والاستقرار؟ هذه الأسئلة أهم من معرفة ما إذا كانت الصين تريد أن تحل محل أمريكا. فالمستقبل لن يتحدد فقط بما تريده بكين أو واشنطن، وإنما بقدرة المنطقة على استعادة مساحة القرار التي فقدتها عبر عقود.

لقد تغير العالم كثيرًا منذ اللحظة التي أصبحت فيها الولايات المتحدة القوة التي لا ينافسها أحد في الشرق الأوسط. الصين اليوم قوة اقتصادية وسياسية هائلة، وروسيا موجودة، والهند تتقدم، ودول المنطقة نفسها أصبحت أكثر ثقة بقدرتها على المناورة. وفي الوقت الذي تتسع فيه المنافسة الدولية، يبدو الشرق الأوسط أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف علاقته بالعالم. لا ينبغي أن تكون الوجهة شرقًا لمجرد أن الغرب أخطأ، ولا ينبغي أن تكون بكين بديلًا عن واشنطن في إدارة شؤوننا. الوجهة الصحيحة هي أن يصبح للمنطقة قرارها، وأن تستفيد من انفتاحها على الشرق والغرب معًا، وأن تتعامل مع الجميع وفق مصالحها هي.

من القاهرة إذن تأتي إشارة تستحق الانتباه. الصين تفتح الباب أمام تصور جديد لأمن الشرق الأوسط، والسؤال الذي يواجه العرب ليس إن كانوا سيختارون الصين أو أمريكا، وإنما إن كانوا سيستغلون اللحظة لبناء نظام إقليمي يستطيع أن يتحدث باسمه، ويحمي مصالحه، ويضع حدًا لتحويل أراضيه إلى ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين. وربما تكون هذه هي المرة الأولى منذ عقود التي تتوافر فيها للمنطقة مثل هذه المساحة الواسعة من الخيارات.

أما زمن الأمن الذي يُصنع بعيدًا عن المنطقة، فقد لا يكون قد انتهى بعد، لكنه بالتأكيد لم يعد يبدو أبديًا كما كان.



Source link

السابق
إيران تستعد لحرب طويلة وتدرس تصعيدها