أخبار

جو 24 : الحقيقة ماتت.. والكلام مستمر


ليست المشكلة اننا اختلفنا في الطريق، بل اننا فقدنا البوصلة.

وليس اكثر ما يؤلم في هذا الزمن ان ترى الخطأ يمشي في الشوارع، وانما ان تراه يمشي مرفوع الرأس، فيما يطأطئ الصواب رأسه كي لا يزعج احدا.

كبرنا ونحن نعتقد ان الكلمات تصنع الوعي، ثم اكتشفنا ان بعض الكلمات صارت تصنع الوهم، وان بعض الاقلام لم تعد تكتب كي تقول الحقيقة، بل كي لا تغضب احدا.

وهنا تبدأ الكارثة.

فالمجتمعات لا تسقط حين يقل فيها الكلام، وانما حين يصبح الكلام كثيرا والحقيقة قليلة.

لا تسقط الاوطان لان فيها فقراء، ولا لان الطريق طويل، ولا لان الازمات تتكاثر، تسقط حين يصبح الخطأ وجهة نظر، والفساد شطارة، والنفاق دبلوماسية، والسكوت حكمة، ومن يقول الحقيقة شخصا مزعجا ينبغي اسكاته.

عندها لا يعود السؤال: من قال الحقيقة؟

بل يصبح السؤال المخيف:

من بقي قادرا على قولها؟

يا سادة……

لسنا بحاجة الى مزيد من الاصوات العالية، بل الى اصوات لا ترتجف حين تصل الى الحقيقة.

لسنا بحاجة الى مزيد من الذين يعرفون كيف يصفقون، بل الى من يعرفون متى يقولون لا.

فالبلاد لا يحرسها الذين يملأون الشاشات حديثا عن الوطن، وانما الذين يحملون الوطن في ضمائرهم حين لا تكون هناك كاميرا، ولا جمهور، ولا منفعة.

لقد تغيرت الاشياء من حولنا.

صار بعضهم يقيس قيمة الانسان بموقعه، وقيمة الكلمة بمن يقف خلفها، وقيمة الموقف بما يمكن ان يجلبه من مكاسب.

اما الذين لا يملكون سوى ضمائرهم، فقد صاروا غرباء في سوق مزدحم بالمساومات.

لكنني لا اريد ان اكتب مرثية.

فالمراثي تليق بمن انتهى.

ونحن لم ننته بعد.

ما زال في هذا البلد قلم يرفض ان ينحني، وضمير يرفض ان يباع، وشاب ينظر الى المستقبل دون ان يتعلم من الكبار فن الخوف، وام تقول لابنها: كن شريفا ولو خسرت، ولا تكن لصا ولو ربحت.

وهؤلاء هم الامل.

لذلك، لن اكتب اليوم عن الذين سقطوا.

سأكتب عن الذين ما زالوا واقفين.

عن رجل يستطيع ان يقول الحقيقة ولو خسر صديقا.

وعن كاتب يستطيع ان يكتب ما يؤمن به لا ما يريده القارئ.

وعن مسؤول يعرف ان المنصب عابر، وان الاثر هو الذي يبقى.

وعن مواطن لا يبيع صوته، ولا ضميره، ولا وطنه مقابل لحظة رضا.

فالتاريخ لا يسأل كثيرا عن عدد الذين صفقوا.

التاريخ يسأل:

من كان يستطيع الكلام.. ولم يصمت؟

ومن كان يستطيع البيع.. ولم يبع؟

ومن كان يستطيع الانحناء.. وبقي واقفا؟

هذه ليست ازمة قلم.

هذه ازمة معنى.

وحين تضيع المعاني، تصبح الكلمات كلها ضجيجا.

لذلك اقولها بلا خوف ولا مواربة:

لن تهزمنا الازمات ما دام فينا من يرفض ان يجعل منها قدرا.

ولن تهزمنا قسوة الايام ما دام في هذا الوطن قلب يعرف ان الوطن ليس حفنة تراب، ولا منصبا، ولا شعارا يرفع في المناسبات.

الوطن موقف.

والوطن ضمير.

والوطن ان تعرف ان هناك اشياء، مهما كان ثمنها، لا يجوز ان تبيعها.

ومن بينها….

الحقيقة.

فاذا ماتت الحقيقة فينا، فلن تنفعنا كثرة الكلمات.

واذا بقيت حية..

فحتى بين الركام، يمكن لوطن ان يبدأ من جديد.

يحيى الحموري



Source link

السابق
أجواء حارة نسبيا الجمعة وفرصة لهطول الأمطار الأحد