أخبار

حين يصبح دعم «أيباك» عبئاً انتخابياً


 

لسنوات طويلة، كان الحصول على دعم «لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية» (أيباك) أشبه بالحصول على رافعة انتخابية في السياسة الأميركية. كان المرشحون يتنافسون على تأييدها لما توفره من شبكة مانحين قوية، وقدرة مالية كبيرة، ونفوذ سياسي يصعب تجاهله.

لكن انتخابات 2026 تطرح سؤالاً مختلفاً: هل بدأ دعم «أيباك» يتحول من رافعة انتخابية إلى عبء سياسي؟ لا يعني ذلك أن نفوذ «أيباك» انتهى، أو أن المرشحين الأميركيين تخلوا عن تأييد الدولة الصهيونية، بل إن شيئاً أكثر دقة يبدو أنه يتغير: القيمة الانتخابية للإرتباط بـ«أيباك» لم تعد مضمونة، وفي بعض الدوائر أصبح هذا الارتباط نفسه مادة يستخدمها الخصم ضد المرشح.

 

ميشيغن… الإشارة الأوضح

كانت انتخابات مجلس الشيوخ التمهيدية في ميشيغن من أبرز الاختبارات. فقد أنفقت «أيباك» وحلفاؤها أكثر من 30 مليون دولار لمحاولة دعم هايلي ستيفنز في مواجهة عبد الرحمن السيد، المعروف بمواقفه المنتقدة بشدة لإسرائيل.

لكن النتيجة جاءت عكس الرهان: فاز عبد الرحمن السيد بترشيح الحزب الديمقراطي، رغم التفوق المالي الهائل لمنافسته. ولم تتوقف المفارقة هنا. فقد وصل الأمر في الانتخابات العامة إلى أن حلفاء المرشح الجمهوري مايك روجرز، وهو مؤيد لإسرائيل، طلبوا من «أيباك» عدم الترويج لحملته علناً، خشية أن يتحول ارتباطها به إلى نقطة ضعف في ولاية تضم واحدة من أكبر الجاليات العربية الأميركية.

هنا تظهر المفارقة بوضوح: المرشح لا يرفض بالضرورة الدعم، لكنه قد يرفض العلامة او العلاقة السياسية التي تأتي معه.

 

إخفاقات تتجاوز ميشيغن

لم تكن ميشيغن حالة منفردة. ففي كاليفورنيا، أنفقت جماعات مرتبطة بـ«أيباك» ملايين الدولارات لمحاولة هزيمة المرشحة التقدمية من أصول أفغانية عائشة وهاب ودعم منافستها، لكن وهاب فازت بفارق يزيد على ست نقاط.

وفي الانتخابات التمهيدية في الدائرة العاشرة بولاية نيويورك، خسر النائب الديمقراطي دان غولدمان، الذي عارض تقييد المساعدات العسكرية لإسرائيل والمدعوم من «أيباك»، أمام براد لاندر المدعوم من عمدة نيويورك زهران ممداني والذي له مواقف أكثر انتقاداً للحكومة الإسرائيلية ووصِف الحرب على غزة بـ«الإبادة الجماعية»، واعداً بدعم قيود على المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، والذي جعل ارتباط منافسه بالجماعة جزءاً من حملته.

كما خسر عضو الكونغرس أدريانو إسبايلات أمام دارياليزا أفيلا شوفالييه في الإنتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي عن الدائرة الثالثة عشرة بولاية نيويورك رغم إنفاق ملايين الدولارات من مجموعة مرتبطة بـ«أيباك» للدفاع عنه.

وفي إلينوي، تعرض مرشحون دعمتهم الجماعات المرتبطة بـ«أيباك» لهزائم أخرى، من بينهم ميلسا كونيرز-إرفين، التي أنفق على حملتها ما يقارب خمسة ملايين دولار.

وفي الانتخابات التمهيدية بولاية كونيتيكت، خسر النائب المخضرم جون لارسن، المدعوم من «أيباك»، أمام لوك برونين، في سباق لم يكن أساساً مواجهة بين مؤيد لإسرائيل وخصم لها.

هذه الحالات لا تعني أن «أيباك» عاجزة عن إيصال مرشحيها؛ فقد حققت انتصارات في سباقات أخرى، وما زالت تملك موارد مالية وشبكات سياسية ضخمة. لكنها تؤكد أن المال لم يعد ضمانة انتخابية كما كان يُنظر إليه في السابق.

 

 

 

غزة غيّرت الحسابات

أعادت الحرب المدمرة على غزة تشكيل مواقف قطاعات من الناخبين الأميركيين، خصوصاً الشباب والتيار التقدمي والعرب والمسلمين، كما زادت الحساسية تجاه نفوذ جماعات الضغط ولجان العمل السياسي الفائقة (Super PACs) المدعومة من أيباك وحلفائها. ولهذا يستطيع المنافس اليوم أن يحول الأموال التي تنفقها «أيباك» إلى قضية انتخابية بحد ذاتها، متسائلاً: هل يمثل المرشح مصالح ناخبيه أم مصالح جماعات الضغط؟ وهنا تنتقل المشكلة من قبول المال إلى الكلفة السياسية لإظهار مصدره.

فالمرشح قد يكون مؤيداً لإسرائيل، لكنه لا يريد أن تصبح «أيباك» عنواناً لحملته. وهذه هي دلالة ميشيغن الأهم: حين يخشى مرشح مؤيد لإسرائيل من ظهور «أيباك» إلى جانبه، فإن المسألة لم تعد موقفاً من إسرائيل، بل أصبحت حساباً انتخابياً.

 

هل انتهى نفوذ «أيباك»؟

لأكثر من أربعة عقود، اعتُبرت أيباك واحدة من أكثر جماعات الضغط تأثيرًا في الحياة السياسية الأمريكية، وكان معظم السياسيين يتجنبون الدخول في مواجهة مباشرة معها خشية فقدان الدعم المالي أو التعرض لحملات انتخابية مضادة، او اتهامهم بمعادات السامية.

غير أن نتائج انتخابات 2026 تشير إلى تغير مهم في طبيعة نفوذ «أيباك». فقد كانت المعادلة سابقاً: دعم «أيباك» يزيد فرص الفوز. أما اليوم، ففي بعض الدوائر، فقد تصبح المعادلة: دعم «أيباك» يوفر المال، لكنه قد يفرض كلفة انتخابية.

وهذه نقطة فارقة. فالأموال تستطيع شراء الإعلانات، وتمويل الحملات، ودعم المرشحين، لكنها لا تستطيع دائماً شراء أصوات الناخبين، خصوصاً عندما يقرر الخصم تحويل مصدر المال نفسه إلى قضية انتخابية.

لذلك ربما لا نشهد تراجعاً شاملا وسريعاً في القوة المالية والإنتخابية لـ«أيباك»، لكننا نشهد شيئاً أكثر أهمية: تراجعاً واضحا في القيمة السياسية والرمزية لإظهار هذا الدعم علناً.

لقد تغير السؤال من: كم تستطيع «أيباك» أن تنفق؟ إلى سؤال أكثر إزعاجاً للمرشح: كم سيجلب لي هذا الدعم من المال، وكم قد يكلفني من الأصوات؟

وعندما يصبح المال الانتخابي ميزة، لكن الإعلان عن مصدره عبئاً، تكون قواعد اللعبة السياسية قد بدأت تتغير.

 



Source link

السابق
إيزنكوت يتقدم على نتنياهو.. والليكود يتراجع
التالي
اختتام فعاليات الهيئات الثقافية المشاركة في مهرجان جرش