أخبار

جو 24 : ما بين صحراء “تيسير السبول” وجبال “فيصل قات”: الإحساس والغرض والسياق!


 

مادتي المنشورة في العدد (450) من “مجلة أفكار” الصادرة عن وزارة الثقافة الأردنيّة.

الشكر الجزيل لأسرة تحرير المجلة والكوادر الإداريّة والفنيّة القائمة عليها.

تاليا نصّ المادة كاملاً:

حبل سرّي من الحزن والأسى والخذلان يربط بين الشاعرين الأردنيّين الراحلين “تيسير السبول” و”فيصل قات”.

هذا الرابط الجوّانيّ الشفيف يتبدّى في القصديتين اللتين أصبحتا عنوان الديوان اليتيم، أو الأعمال الشعرية الكاملة، لكلٍّ منهما: قصيدة “أحزان صحراوية” لتيسير السبول، وقصيدة “خمسة أسياف تسكن جسدي” لفيصل قات.

وكان بالإمكان أن نتلاعب بالعناوين هنا فنقول: “أحزان جبليّة” لفيصل قات، و”خمسة خناجر تسكن جسدي” لتيسير السبول.. دون أن يختلّ المعنى والإحساس!

حزن وأسى وخذلان.. وكلمة السرّ هي الصحراء!

صحراء “تيسير السبول” التي تشربُ رمالُهَا “حسرةَ ذاك الصوت”، وتجعلُ من هذا الشاعر “بدويّاً خطّت الصحراء لا جدوى خطاه”!

وصحراء “فيصل قات” التي خُطَّ رمل شوارعها من “رماد الزمن الساكن” الذي يبدّدُ حلماً كان الشاعر قد “أودعه في الماء”!

وليست مشكلة “تيسير” و”فيصل” مع الصحراء بما هي صحراء، بل ليست الصحراء لدى “تيسير” و”فيصل” مكاناً فيزيقيّاً بمقدار ما أنّها صحراء في الروح وصحراء للروح!

فبالنسبة لتيسير تصبح “الصحارى العربيّة” التي أودع في رمالها “غصّات أغانيه الشجيّة” معضلةً عندما يكون “الرملُ وعودٌ برمال”، وعندما يكون مداها “صمتٌ.. وعذاباتُ ارتحال”، وعندما تنزع السحر عن “ليالي شهرزاد”، وعندما يغدو تخطّي “قمم الكثبان” واجتياز “الوهاد” ضرباً من السير الأزليّ الذي يبدد توق الشاعر للوصول:

“كلما استيقظ في قلبي اشتياق

لمزيد من تداني والتصاق

كلما ضجّ نداء البوح

في أرجاء ذاتي

كلما بُغتُّ أنّي

أتناهى بانسراب اللحظاتِ

كلما أحسستُ أنّي

بعض دفء الآخرين

خلتني عدت أراه

بدوياً خطّت الصحراء لا جدوى خطاه”!

وبالنسبة لـ فيصل قات”، ذلك “القوقازيّ” المهاجر القادم عبر البحر من جبله ونهره وأشجاره ووروده و”مايكوب”(1) التي أمضى العمر يتوق إليها، فإنّ معضلة الصحراء التي رسم فوق رملها “ظباءً تركض عبر العشب وعبر الأمطار”، ورغم “الحبّ الساكن” في قلبها، أنّها أصبحت مرادفاً للأسياف الخمسة التي تسكن جسده وهو يجلس “منتظراً زمن الماء وأغصان الصفصاف”، هذا الانتظار الذي هو بحدّ ذلك ضرب من التيه:

“ما أصعب زمن التيه

وما أطول ليل الغرباء

جئتكِ من خلف

رماد الزمن الساكن

في مخطوطات القلب

لأمنحكِ بقايا حلمٍ

كنّا أخفيناه في الماء

طاردتكِ عبر شوارع

مملكة الصحراء

ورأيتكِ في لحظة غيبٍ

فجراً يقترب من الأشياء

وحين دنوتُ

كي أقفز من فوق جدار الصمتِ

فاجأني الموتُ”!

بعد هذه الإطلالة السريعة على شعر “تيسير” و”فيصل”، والتي الهدف منها أن تُغري بالقراءة لا أن تغني عن القراءة، لا مناص من بعض الكلام الجادّ؛ فبالنسبة للنقّاد المتنطّعين، من الصعب أن تجد أحدهم يقول لك: “تيسير السبول” أو “فيصل قات” شاعر لا يشقُّ له غبار! وبالنسبة للقرّاء المُترَفين، من الصعب أن تجدّ أحدهم يقول لك: “تيسير السبول” أو “فيصل قات” شاعري المفضّل!

لكن هلّا وضعنا جانباً تنطّع النقاد وترف القرّاء، وذهبنا وقرأنا بأنفسنا أعمال الشاعرين الراحلين!

للوهلة الأولى لن يخرج الانطباع الأول عن إطار الكلام أعلاه، فأين ما يكتبه “تيسير و”فيصل” من فرد العضلات اللغويّة، و”الفزلكات” التأمّليّة، والبهلوانيّات المجازيّة، والاستعراضيّة المنبريّة، والحنكة التواصليّة، ومهارات العلاقات العامة والتشبيك والقُرْب من سلطة ما.. والتي ينبغي أن يتحلّى بها أو يلبّيها من يُصنّفون كشعراء كبار هذه الأيام؟!

ومع هذا، ماذا لو نحّينا عن أنفسنا قليلاً “كلاشيهاتنا”، و”أحكامنا المسبقة”، وما نظنّه فهماً راسخا لما ينبغي أن يكونه الشعر والشاعر، وما هو دارج في السوق.. وجرّبنا أن نعيد قراءة “تيسير” و”فيصل” مرّةً أخرى ونحن نضع في اعتبارنا ما يلي:

أولاً الإحساس،،

في البدايات يكون لدى الكاتب والقارئ على حدّ سواء شيءٌ من براءة الطفولة، ثمّ يمضيان العمر (أي الكاتب والقارئ) وهما يحاولان بدأب أن يكتسبا من التكلّف والتقعّر و”الحرفة” و”الاحترافية” و”البرستيج” ما ينفي عنهما هذه التهمة، ثمّ ما قبل خطّ النهاية بقليل، وبعد أن يكون قد “فات الفوت” غالباً، يدركان – ومنهم الذي لا يدرك – أنّ السرّ يكمن في البراءة، ويتمنيان لو أنّهما يستطيعان العودة إلى براءة الطفولة الأولى، بل ويتمنيان لو أنّهما لم يغادراها ابتداءً!

“تيسير السبول” و”فيصل قات” شاعران لم يغادرا براءة الطفولة، هل يبدو هذا حُكماً مُنصفاً؟ اذهب واقرأ واحكم بنفسك!

البراءة هي صنو الصدق، الصدق الذي يحتاج المرء غالباً لأن يقطع الشوط أعلاه بأكمله لكي يدرك أنّه أعظم كاتب!

الصدق – أو الكذب – هو ما يستقرّ في وجدان القارئ ولو بطريقة لا واعية إزاء أي نصّ في نهاية المطاف، وفي حالة الشعر صدق العاطفة والإحساس قبل صدق المعنى والمُؤدّى.

وفي أشعار “تيسير السبول” و”فيصل قات” من الصدق ما يستحوذ عليك ويدفعك لمواصلة القراءة بطريقة مستغربة وغير مفهومة حتى بالنسبة إليك.. رغم المآخذ الاحترافيّة الكثيرة التي يمكن أن تستوقفك وأنتَ تقرأ هنا وهناك!

بل للحظة تشعر بنفور غير مفسّر من “الصنعة العالية” لدى بقية الشعراء المُبجّلين!

ثانياً الغَرَض،،

عند البحث في المراجع والمصادر، يستطيع المرء أن يجمّع من هنا وهناك (13) غرضاً مختلفاً للشعر صنّفها النقاد والأكاديميّون: الغزل (الصريح والعذريّ)، والمديح، والهجاء، والرثاء، والفخر والحماسة، والوصف، والاعتذار، والحكمة، والنصح والإرشاد، والسياسة، واللهو، والطبيعة، والزهد.

القاسم المشترك بين جميع هذه الأغراض أنّها “علائقيّة” وموجّهة نحو المتلقّي؛ أي أنّ الشاعر يفترض وجود هذا المتلقّي الحقيقيّ أو المتخيَّل أمامه وهو ينظم قصيدته، وعلى هذا الأساس يزخرف كلامه، ويصوغ “خطابه”، ويستعرض ما لديه من مخزون ومَلَكَات وكلمات. وهنا يغدو الحدّ الفاصل بين صدق الشاعر وكذبه هو إلى أي مدى يجعل الصنعة في خدمة المعنى، أو يلوي عنق المعنى ليلبّي متطلبات الصنعة ومقتضياتها وشروطها؟

هذا قد يفسّر كيف يمكن للشخص الواحد أن يكون شاعراً مجيداً وشخصاً وضيعاً مفتقراً للنزاهة في آن واحد!

في مقابل ذلك كلّه يبرز غرضٌ للشعر يختصّ بالشاعر نفسه لا بالمتلقّي متذوقاً كان أم دارساً، غرضٌ يمكن اعتبار “تيسير السبول” و”فيصل قات” نموذجين صارخين عليه: شعر البوح!

هنا الشاعر يكتب لا من أجل الآخر، لا لمعنى يريد إيصاله أو موقف يريد التصريح عنه أو صنعة يريد التبجّح بها.. الشاعر يكتب من أجل نفسه، يكتب لأنّه لا يستطيع إلّا أن يكتب، يكتب لأنّه إذا لم يكتب سينفجر أو “يطقّ”!

وهو لا يكتب لكي يتطّهر، فالشاعر الذي يكتب للآخرين هو الذي يتطهّر حين يعصِبُ ما يعتمل داخله من معانٍ وانفعالات برأس المتلقّين الذين ألقى إليهم بحمله، أمّا شاعر البوح الذي يكتب لنفسه فهو يُذكّر نفسه ويُلزمها حجّتها إزاء ما يعي ويشعر في كلّ مرّة يكتب فيها.

شاعر التطهّر ينظم شعره لكي يلقي بالمعاني والانفعالات وراء ظهره، أمّا شاعر البوح فينظم شعره لتبقى المعاني والانفعالات ماثلةً أمام ناظريه.

من هنا يأتي الصدق.. لكن من هنا يأتي أيضاً الحزن المقيم والأسى والخذلان.

لعلّ هذا يُلقي ضوءاً على النهاية التي اختارها “تيسير السبول” لنفسه: انتحر بعد أن لم يسعفه بوحه، وبعد أن خنقه هذا البوح وراكم الحمل في صدره وعلى صدره بدل أن يبدّده!

ولعلّ هذا هو السبب أنّ “فيصل قات” لم يكن على ما يبدو معنيّاً بشكل جديّ بنشر أشعاره في ديوان أثناء حياته، واستدعى الأمر أن يغادر عالمنا لكي يرى ديوانُهُ النور أخيراً على يد زوجته الوفيّة “شهيرة هاكوز” ومحبّيه.

ثالثاً السياق،،

لا تقتصر سفالة “المُتلقّي” و”الناقد” على إفسادهما ذمّة الشاعر؛ فهما (أي المتلقّي والناقد) يمتلكان رفاهية أنّ يقفا هنا هذه اللحظة، حيث انتهى الشعراء، وأن ينظرا إلى الوراء متأملين نتاج الجميع: يحاكمان، ويفاضلان، ويتخيّران، ويسبغان بركاتهما، ويوزّعان أوسمة استحقاقهما.. مقترفين بدم بارد خطيئتين لا خطيئة واحدة:

خطيئة أن يقيسا قصور السابق على تفوّق التالي، ولو علم السابق ما سيكون تالياً لسبق إليه، ولولا أنّ التالي قد تعلّم من السابق واستفاد منه لما تجاوزه وتفوّق عليه.

وخطيئة أن يتعاملا مع الشاعر كأنّه ذرّة تسبح في فراغ، ومع الشعر كأنّه فكرة مجرّدة تدور في مُطلق، وينسيا أنّ الشاعر إنسان والشعر ظاهرة إنسانيّة، وبالتالي فإنّ السياق الذي أفرز الشعر هو جزء منه ومن تقييمنا له، سواء السياق على مستوى تجربة الشاعر الفرديّة وسيرته الشخصيّة، أو السياق على مستوى تجربة المجتمع ككلّ وتاريخه الجمعيّ.

و”تيسير السبول” و”فيصل قات” عاشا تجربتهما كإنسانين وكشاعرين في ضوء أربع انعطافات شظّتْ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة جيلاً بأكمله بشعره ونثره، وجعلت البوح أولويّة مُسبّقةً على التجريب والجماليّة: نكبة الـ (48)، و”عسكرتاريا” الخمسينيّات، وهزيمة الـ (67)، وطفرة السبعينيّات التي آذنت بولوج عالم استهلاكيّ جديد هجر الآمال والمبادئ التي سبق وأن قوّضتها الهزيمة، وأتى بتطلّعاته وأولويّاته وضروراته ومقتضيات عيشه الخاصة.

لا عجب إذن أن نجد “الحلم” وليس تَحْقُّقَهُ في نهاية “الرحلة”!

“الحلم” الذي هو آخر قصيدة في ديوان “فيصل قات” والتي يقول فيها:

“أحلم بالعيون السود

بارتعاشة الظفيرة

بلحظة اللقاء

بضمّةٍ صغيرة

بعالمٍ من الرؤى بعيد المنال

أطير عبره.. ماسحاً بقيّة السؤال

أحلم بالسهوب الخضر.. بالغابات

بالشواطئ السعيدة

وبالنوارس التي تعانق الضياء

بالجزائر البعيدة

أحلم بالمدائن الشرقية المهيبة

بلوثة السحر الخرافيّ

بارتعاشة الجفون

يفضي إلى العوالم الخصيبة

أحلم أن أطلّ في خزائن الذين هاجروا

ونقّبوا

وأن أعيش في طفولة الذين عانقوا الشموس والبحار

واحترقت وجوههم بزهوة النهار

لكي يُعيدوا فرحةً جديدة..”

و”الرحلة” التي هي آخر قصيدة في ديوان “تيسير السبول” والتي يقول فيها:

“.. هي ذي القمّة تبدو

ويرى

لم يكن ثمّة شيء ليراهُ

لم يكن ثمة شيء ليمسّهْ

فإذا القمّة جدّاً خاوية

لم يعد يحتاج إنساناً

ولا شيئاً

ولا يحتاج حِسّهْ

واحداً يمثُل، لا يدري إذا كان وحيدا

واحداً يسمع لغط الريح

والصحراء في عينيه تمتدُّ – وتمتدُّ بعيدا

ضَجِراً كان، وما كان تعيساً أو سعيدا

أو لعلّ الأمر لم يحدث

لعلّ الرحلة المُوما إليها لم تكن

والمسألةُ

حلمٌ مرّ طويلاً وثقيلاً وبليدا..”!



Source link

السابق
المنطقة العسكرية الوسطى تحبط محاولة تسلل 3 أشخاص
التالي
تطوير التعاونيات الزراعية يبدأ من الحوكمة الفعالة وحماية حقوق المزارعين والعاملين