أخبار

الجلوة العشائرية بين السعودية والأردن وسياسة التسلية!


كتب م. محمد عبدالحميد المعايطة –

الدول الغربية والشرقية التي تقدمت وتطورت، علينا أن نستفيد من تجاربها في التقدم والحضارة، وأن ندرك أن من أهم أركان هذا التقدم: العلم، والبحث العلمي، والديمقراطية وما تشيعه من حريات تخلق من المواطن إنساناً حراً سيداً على قراره، وتطبيق اللامركزية.

أما هنا، في هذا الوطن العزيز، فقد حبانا الله، منذ تأسيس الدولة، بحكومات تحارب الديمقراطية والحريات العامة، وتحارب اللامركزية، وتفتح الدواوين والمؤسسات لتسجيل طالبي الوجاهة والألقاب، وتشجع هذه الثقافة بدلاً من أن تشجع ثقافة العمل والإنتاج.

حكومات تخلق الأزمات لإبعاد الأردنيين عن النقاش في حقوقهم وقضاياهم الأساسية، وبين الفينة والأخرى تطرح شعاراً جديداً لإبعاد الأردنيين عن واقعهم الحزين، وعن الأسئلة الحقيقية التي ينبغي أن ينشغلوا بها وكيفية مواجهتها. إنها سياسة التسلية السياسية التي تعاقبت علينا تحت مسميات وشعارات مختلفة، منها: الأجندة الوطنية، وكلنا الأردن، وأهل العزم، والجلوات العشائرية، ومنظومة الإصلاح، وآخرها ـ وليس أخيرها ـ التعديلات الوزارية.

لكن علينا، نحن الأردنيين، أن نكون متفائلين؛ فقد تصل الحكومة أخيراً إلى حل مشكلة الكلاب الضالة التي عجزت الحكومات السابقة عن حلها منذ ثماني سنوات، وذلك من خلال تشكيل لجنة عليا من نواب الرئيس، بدلاً من أن تكون اللجنة برئاسة نائب رئيس واحد!

الجلوة العشائرية… لماذا لا نتعلم من السعودية؟

في موضوع الجلوة العشائرية، لماذا علينا أن نكرر العبارات نفسها، ونشكل اللجان نفسها، ونعقد اللقاءات نفسها، ونعيد النقاش ذاته منذ عشرات السنين، من دون أن نصل إلى حل نهائي لهذه المشكلة؟

لماذا لا نستفيد من تجربة المملكة العربية السعودية، وهي أكبر دولة عربية، وفيها أصل البداوة ومنبع كثير من القبائل والعشائر العربية، وتحديداً من منطقة نجد؟ فمعظم القبائل التي انتشرت في بلاد الشام والعراق وفلسطين والأردن يعود أصلها، في جانب كبير منها، إلى نجد.

لقد استطاع الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، خلال سنوات معدودة، أن ينهي كثيراً من المظاهر السلبية التي كانت سائدة في المجتمع آنذاك، ومنها قطع الطرق والسلب والنهب، وبعض الأعراف والتقاليد القبلية التي كانت تتعارض مع أحكام الشريعة.

وكانت أمام الرجل قوى شد عكسي أقوى بمئات المرات مما هو موجود لدينا سابقاً . فلم تكن مهمته سهلة، ولم يكن التحدي مقتصراً على قوة ونفوذ جماعة «إخوان من طاع الله»، الذين كانوا ينظرون إلى المسلمين خارج مجتمعاتهم الضيقة داخل نجد باعتبارهم مشركين، ويجيزون لأنفسهم نهبهم وسلبهم، بل إن بعض المشايخ في بدايات القرن العشرين عارضوا ابن سعود في فتح المدارس؛ بحجة أنها تُعلّم الرسم والجغرافيا واللغات، كما عارضوا استخدام أجهزة اللاسلكي والسيارات والطائرات وأجهزة التصوير والإذاعة.

ومع ذلك، استطاع ابن سعود أن يواجه هذه القوى، وأن ينتقل بالمجتمع من واقع قبلي متنازع إلى دولة حديثة لها مؤسساتها وقوانينها وأنظمتها.

فما بالنا نحن؟

فما بالنا نحن، ونحن نعيش في مجتمع لا توجد فيه قوى شد عكسي بالمعنى الذي كان موجوداً في السعودية آنذاك، ولا توجد لدينا تلك المعارضة الاجتماعية والدينية الشديدة لكل مظاهر التحديث والتطور؟

للأسف، إن قوى الشد العكسي عندنا كثيراً ما تصنعها الحكومات نفسها، أو تُبقي عليها وتستخدمها، لمحاربة أي تقدم أو تطور حقيقي.

وإلا، فما تفسير استمرار وجود قوانين وتصنيفات تقوم على تقسيم المجتمع إلى بدو وحضر وريف؟

وما تفسير استمرار هذه العقلية التي تتعامل مع الأردنيين على أساس شرق وغرب، وشمال وجنوب، وحضر وبدو وريف، وشركس وشيشان، ومسلمين ومسيحيين؟

إنها، في جوهرها، سياسة التسلية السياسية؛ سياسة تقسيم المجتمع إلى هويات فرعية، وإشغاله بقضايا جانبية، ثم استدعاء شعار جديد بين الحين والآخر، بدلاً من مواجهة القضايا الجوهرية التي تمس حياة الأردنيين ومستقبل دولتهم.

فالحكومات التي لا تريد مواجهة المشاكل والأزمات وحلها، قد تجد في استمرار هذه الأزمات فائدة سياسية؛ إذ يمكن استخدامها للتغطية على المشكلات الجوهرية، وإبعاد الرأي العام عن الأسئلة الحقيقية المتعلقة بالديمقراطية، والحريات العامة، والعدالة، والاقتصاد، والبطالة، والفقر، والإدارة، وسيادة القانون، واللامركزية.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: لسنا بحاجة إلى مزيد من الشعارات واللجان واللقاءات، بل إلى إرادة سياسية تواجه المشكلات وتحلها.

الدول لا تتقدم باللجان والشعارات، ولا بالوجاهة والألقاب، ولا بإعادة إنتاج الأزمات، وإنما تتقدم بالعلم، والعمل، والإنتاج، والحرية، والديمقراطية، والعدالة، وتطبيق اللامركزية، واحترام المواطن باعتباره صاحب الحق والشريك الحقيقي في بناء الدولة.



Source link

السابق
البرغوثي يتحدث عن بدء الضم الإسرائيلي الفعلي للضفة الغربية #عاجل
التالي
“الأشغال” تزيل جسر مشاة قرب حدود جابر بعد اصطدام شاحنة به وتعيد فتح الطريق أمام حركة السير