أخبار

المحكمة الجنائية الدولية… عندما تُحاصر العدالة

المحكمة الجنائية الدولية… عندما تُحاصر العدالة


 

  القضاء الدولي في مواجهة حرب سياسية

كتب  -اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني
ليست كل الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات، فبعضها يُشن على القانون نفسه. وما تتعرض له المحكمة الجنائية الدولية اليوم يمثل أحد أخطر الاختبارات التي واجهتها منظومة العدالة الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لأنه لا يستهدف مؤسسة قضائية فحسب، بل يستهدف المبدأ الذي قامت عليه: ألا يفلت مرتكبو جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية من المساءلة، مهما كانت مناصبهم أو قوة الدول التي ينتمون إليها.

وقد أُنشئت المحكمة عام 2002 بموجب نظام روما الأساسي لتكون أول محكمة جنائية دولية دائمة تختص بمحاكمة الأفراد عن أخطر الجرائم الدولية، وفق مبدأ “التكامل”، أي أنها لا تتدخل إلا عندما تعجز الدول أو تمتنع عن إجراء محاكمات حقيقية. ومنذ تأسيسها أصبحت تمثل الضمير القانوني للمجتمع الدولي، وتجسد مبدأً طالما اعتُبر أساس العدالة الحديثة: لا أحد فوق القانون.

عندما اقترب القانون من الأقوياء

ظل هذا المبدأ يحظى بقبول نسبي إلى أن اقتربت المحكمة من مساءلة مسؤولين من دولة الكيان الصهيوني على خلفية الحرب في قطاع غزة. فمنذ أن طلب المدعي العام للمحكمة، كريم خان، إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق، تحولت المحكمة إلى هدف لحملة سياسية ودبلوماسية وإعلامية غير مسبوقة.

ولم تتوقف الضغوط عند حدود التصريحات، بل امتدت إلى فرض عقوبات أمريكية على مسؤولين في المحكمة، والضغط على عدد من الدول للتشكيك في شرعيتها وتقليص التعاون معها او الإنسحاب منها. كما جاء إعفاء المدعي العام كريم خان، على خلفية إجراءات داخلية واتهامات ما تزال محل جدل قانوني، في توقيت أثار تساؤلات واسعة حول حجم الضغوط التي تواجهها المؤسسة القضائية الدولية.

أزمة تتجاوز المحكمة

القضية اليوم لم تعد مرتبطة بشخص المدعي العام أو بملف بعينه، وإنما باستقلال القضاء الدولي نفسه. فقد أصبحت المحكمة تتعرض للعقوبات والضغوط كلما حاولت تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، والرسالة التي تريد القوى العالمية المتنفذة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ايصالها للعالم واضحة: العدالة الدولية مقبولة عندما تطال الضعفاء، لكنها تصبح مرفوضة عندما تقترب من أصحاب النفوذ.

وقد كشفت الحرب على غزة هشاشة النظام الدولي، بعدما عجز مجلس الأمن عن اتخاذ مواقف حاسمة بسبب الانقسامات السياسية والاستخدام المتكرر لحق النقض، خاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. وفي ظل هذا الشلل، برزت المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها المؤسسة الوحيدة التي ما تزال قادرة، من الناحية القانونية، على منح الضحايا أملاً في المساءلة والإنصاف.

مخاطر تقويض العدالة الدولية

لا تتوقف خطورة ما يجري عند الضغوط السياسية، بل تمتد إلى اتجاه بعض الدول نحو الانسحاب من المحكمة، بما يهدد بتقليص ولايتها وإضعاف منظومة العدالة الجنائية الدولية بأكملها. وإذا استمرت هذه الموجة، فإن العالم سيكون أمام عودة تدريجية لثقافة الإفلات من العقاب، حيث تصبح القوة السياسية قادرة على تعطيل القانون، بينما يفقد الضحايا آخر وسيلة دولية للإنصاف.

والتاريخ يؤكد أن غياب المساءلة لا يصنع سلامًا، بل يشجع على تكرار الجرائم، لأن من يأمن العقاب لا يجد ما يردعه عن ارتكاب المزيد من الانتهاكات.

أين يقف العالم العربي؟

ومن المفارقات أن العالم العربي، الذي كان مسرحًا للعديد من النزاعات والانتهاكات، لا يضم في عضوية المحكمة سوى خمس دول هي: الأردن، وتونس، وجيبوتي، وجزر القمر، ودولة فلسطين. ويعكس هذا الواقع فجوة قانونية وسياسية تحد من قدرة الدول العربية على الإسهام في تطوير المحكمة والدفاع عن استقلالها، رغم أن شعوب المنطقة من أكثر الشعوب احتياجًا إلى نظام عدالة دولي فاعل.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى موقف عربي أكثر فاعلية، بالتوازي مع دور أكبر للدول الصاعدة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وفي مقدمتها دول مجموعة بريكس، لدعم المحكمة سياسيًا وقانونيًا وماليًا، وتعزيز استقلالها وتوسيع قاعدة الانضمام إلى نظام روما الأساسي، حتى لا تبقى رهينة موازين القوى الدولية.

معركة بين منطقين

إن المعركة الدائرة اليوم ليست بين المحكمة ودولة بعينها، بل بين رؤيتين لمستقبل النظام الدولي: الأولى تؤمن بأن القانون يجب أن يسمو على القوة، والثانية ترى أن القوة هي التي تحدد حدود القانون. وإذا انتصرت الرؤية الثانية، فإن العالم لن يخسر مؤسسة قضائية فقط، بل سيخسر أحد أهم الإنجازات التي تحققت في مجال حماية حقوق الإنسان وترسيخ مبدأ المساءلة الدولية.

فالدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية لم يعد دفاعًا عن هيئة قضائية أو عن مسؤول فيها، وإنما دفاع عن فكرة العدالة ذاتها، وعن حق الضحايا في أن يجدوا قضاءً مستقلاً عندما تعجز السياسة وتصمت المؤسسات الدولية الأخرى.

إن التاريخ لا يقاس بعدد الحروب التي شهدها، بل بقدرة البشرية على بناء مؤسسات تمنع تكرارها. والمحكمة الجنائية الدولية هي إحدى أهم هذه المؤسسات. فإذا سُمح بإخضاعها للضغوط السياسية كلما اقتربت من محاسبة الأقوياء، فسوف تتآكل الثقة بالقانون الدولي، ويترسخ الاعتقاد بأن العدالة ليست مبدأً عالميًا، بل امتياز تمنحه موازين القوة. وعندها لن تكون المحكمة وحدها هي الخاسر، بل ستخسر الإنسانية آخر حصونها في مواجهة الإفلات من العقاب.

 

 



Source link

السابق
ممدوح عباس يعلق على حقيقة مطالبته بتعيين شيكابالا مديرا رياضيا للزمالك
التالي
رابطة العالم الإسلامي تؤكد تضامنها مع الأردن والكويت ومصر إثر الاعتداءات الإيرانية