كتب زياد فرحان المجالي –
في الأزمات الكبرى، لا تكون الهدنة دائماً مقدمة للسلام، كما أنها لا تعني بالضرورة أن المتحاربين استنفدوا طاقتهم أو قرروا التخلي عن أهدافهم. فكثيراً ما تمثل فترات التوقف القصيرة فرصة لإعادة ترتيب الأوراق، واختبار موازين القوى، وقياس استعداد الخصوم للانتقال من منطق السلاح إلى منطق السياسة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة المبادرة القطرية لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لمدة عشرة أيام، بوصفها محاولة لاحتواء أزمة إقليمية شديدة التعقيد، أكثر من كونها مشروعاً ناضجاً لإنهائها.
فالتركيز على مضيق هرمز ليس أمراً عرضياً. فمنذ اتساع نطاق المواجهة، لم يعد المضيق مجرد ممر تعبر منه ناقلات النفط والسفن التجارية، بل أصبح مركز الثقل في الصراع. عنده تتقاطع مصالح القوى الكبرى، ويلتقي الأمن بالطاقة، وتتحول أي ضربة عسكرية أو حادث بحري إلى عامل قادر على إرباك الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد ورفع كلفة التأمين والنقل.
في هذا السياق، تتحرك الدوحة في مساحة دبلوماسية تعرفها جيداً. فهي لا تنافس الولايات المتحدة أو إيران على النفوذ العسكري، ولا تدّعي امتلاك القدرة على فرض الحلول، بل تستخدم علاقاتها المفتوحة مع الأطراف المتعارضة لتوفير قناة للحوار عندما تصل المواجهة إلى حافة الانفجار. غير أن نجاح أي وساطة لا يتوقف على مهارة الوسيط وحدها، بل على وجود مصلحة مشتركة لدى المتحاربين في تفادي الأسوأ.
تدرك واشنطن أن الدخول في حرب إقليمية مفتوحة قد يفرض عليها التزامات عسكرية واقتصادية طويلة، في وقت تواجه فيه ملفات دولية متشابكة. وفي المقابل، تعرف طهران أن تعطيل الملاحة في هرمز أو إغلاق المضيق بالكامل قد يمنحها ورقة ضغط شديدة التأثير، لكنه قد يستدعي أيضاً حملة عسكرية أوسع ويزيد عزلتها الاقتصادية. وبين الخشية الأميركية من الاستنزاف والإدراك الإيراني لمخاطر التصعيد، تظهر نافذة محدودة للدبلوماسية.
لكن هدنة الأيام العشرة، حتى في حال قبولها، لن تعالج جوهر الأزمة. فالخلاف لا يتعلق فقط بمرور السفن، بل بمن يملك حق رسم قواعد الأمن في الخليج. الولايات المتحدة تنظر إلى حرية الملاحة باعتبارها مصلحة دولية لا يجوز إخضاعها لإرادة دولة واحدة، بينما ترى إيران أن أمن المضيق لا يمكن فصله عن سيادتها ومصالحها ودورها الإقليمي.
كما يصعب فصل أزمة الملاحة عن الملفات الأخرى: البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الأميركية، والصواريخ الباليستية، وشبكة القوى الحليفة لطهران، ومستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. لذلك، فإن أي اتفاق بحري محدود قد يخفف التوتر، لكنه لن يلغي الأسباب التي أنتجته.
وتبقى الثقة المفقودة العقبة الأكثر صعوبة. فالسنوات الماضية شهدت انسحاباً من اتفاقات، وفرضاً للعقوبات، وعمليات عسكرية واغتيالات وهجمات متبادلة. ولهذا ينظر كل طرف إلى الهدنة باعتبارها اختباراً لنوايا الآخر، وربما فرصة لتحسين موقعه، لا خطوة تلقائية نحو تسوية دائمة.
أما إسرائيل فتراقب المسار بحذر؛ لأن أي تفاهم أميركي–إيراني قد يعيد ترتيب الأولويات الإقليمية بطريقة لا تنسجم بالكامل مع رؤيتها الأمنية. وفي الوقت نفسه، تدرك أن فشل الوساطة قد يوسع دائرة المواجهة ويجعلها طرفاً مباشراً فيها بفعل قرار سياسي أو حادث غير محسوب.
وتبرز سلطنة عُمان بدورها لاعباً هادئاً ومؤثراً، نظراً إلى موقعها الجغرافي وسياسة الحياد التي انتهجتها. فإدارة الملاحة في المياه العُمانية لا يمكن أن تخضع لمطالب أي طرف خارجي، وهو ما يجعل مسقط شريكاً أساسياً في أي ترتيب واقعي ومستدام لأمن المضيق.
إن الوسيط يستطيع أن يهيئ طاولة التفاوض، لكنه لا يستطيع أن يصنع الإرادة السياسية نيابة عن الأطراف المتحاربة. لذلك، قد تنجح المبادرة القطرية في وقف النار مؤقتاً وفتح ممر آمن للملاحة، لكنها ستظل ناقصة ما لم تتحول إلى مسار تفاوضي أوسع يعالج جذور الصراع.
فالحروب لا تنتهي لمجرد صمت المدافع، وإنما عندما يقتنع الخصوم بأن كلفة استمرارها أصبحت أعلى من كلفة التسوية. وإذا نجحت الدوحة في تقريب هذه اللحظة، فإن الهدنة ستصبح بداية لمسار سياسي. أما إذا بقيت مجرد استراحة تكتيكية، فسيظل مضيق هرمز شرارة جاهزة لإشعال جولة جديدة، في منطقة لم تعد شعوبها تحتمل حرباً أخرى، ولا يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل كلفتها.
