لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر في الرأي العام، وإنما إلى أي مدى أصبحت هذه المنصات قادرة على إعادة تشكيله، وتوجيهه، بل وممارسة ضغط فعلي على صانع القرار، ودفع الحكومات إلى إعادة حساباتها السياسية والإدارية.
في الأردن، كما في كثير من دول العالم، لم تعد منصات مثل “إكس” و”فيسبوك” مجرد أدوات للتواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى فضاءات سياسية وإعلامية مفتوحة، تتداخل فيها حرية التعبير مع صناعة الرأي العام، وتلتقي فيها المعلومة بالرأي، والحقيقة بالشائعة، والتحليل بالتأثير، في مشهد جديد فرضته الثورة الرقمية، وأعاد رسم العلاقة بين المواطن والدولة.
من الناحية الدستورية ووفق العقد الاجتماعي والنظم السياسية والدستورية، تمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية من خلال المجالس المنتخبة “مجلس النواب”، بوصفه الممثل الدستوري للإرادة الشعبية، عبر أدوات رقابية نص عليها الدستور، كالأسئلة النيابية، والاستجوابات، وطلبات المناقشة، ولجان التحقيق، وحجب الثقة ،وغيرها .
وهذه هي الرقابة المؤسسية التي تقوم عليها الدولة الدستورية الحديثة.
إلا أن الواقع السياسي يشير إلى نشوء نمط جديد يمكن تسميته بـ”الرقابة الشعبية الرقمية”، وهي رقابة لا تستند إلى نص دستوري، لكنها تستمد قوتها من التأثير المباشر في الرأي العام، ومن سرعة انتشار المعلومات، ومن قدرة المنصات الرقمية على تحويل أي قضية إلى قضية وطنية خلال ساعات قليلة، بما يدفع الجهات الرسمية إلى إصدار البيانات أو تقديم التوضيحات، بل وربما إعادة النظر في بعض القرارات تحت تأثير الضغط المجتمعي.
لقد أصبح الفضاء الإلكتروني اليوم ساحة رقابة مفتوحة، تتداول فيها الوثائق الرسمية، والتقارير، والتسجيلات، والصور، في مشهد لم يعد من الممكن تجاهله أو التعامل معه بالأدوات التقليدية. وفي كثير من الأحيان، تتجاوز سرعة تداول المعلومة قدرة المؤسسات الرسمية على الاستجابة، فتتشكل القناعة العامة قبل صدور الرواية الرسمية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الثقة بالمؤسسات وإدارة الأزمات.
غير أن هذه الظاهرة تثير تحدياً لا يقل أهمية، يتمثل في أن سرعة الانتشار لا تعني بالضرورة صحة المحتوى. فمع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإمكان إنتاج صور ووثائق يصعب التمييز بينها وبين الحقيقة، أصبحت بيئة المعلومات أكثر تعقيداً، وأصبح الرأي العام أكثر عرضة للتأثر بالمعلومات المضللة أو غير الدقيقة.
لهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الحد من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، فذلك لم يعد ممكناً في عصر الانفتاح الرقمي والتطور المتسارع ، وإنما في بناء منظومة اتصال حكومي حديثة تقوم على الشفافية، والإفصاح الاستباقي، وسرعة الوصول إلى المعلومة الصحيحة، والابتعاد عن الأسلوب التقليدي باعتبار أن غياب المعلومة الرسمية يفتح المجال أمام الشائعات لتملأ الفراغ.
إن إدارة الرأي العام في العصر الرقمي لم تعد تعتمد على إصدار البيانات بعد وقوع الحدث، بل أصبحت تقوم على التواصل المستمر، والاستجابة السريعة، وبناء الثقة مع المواطنين. فالدولة التي تتأخر في مخاطبة مجتمعها، تمنح الآخرين فرصة لكتابة روايتها نيابة عنها.
واليوم، لم يعد المسؤول يخضع فقط للرقابة البرلمانية الدستورية أو الإعلام التقليدي، بل أصبح تحت رقابة مجتمعية مباشرة تمارسها ملايين الحسابات عبر الفضاء الإلكتروني، وهو واقع يفرض على المؤسسات الرسمية إعادة النظر في فلسفة التواصل، والانتقال من العقلية التقليدية إلى عقلية الدولة الرقمية التي تتعامل مع المواطن بوصفه شريكاً في المعرفة، لا مجرد متلقٍ للمعلومة.
إن قوة الدولة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار، وإنما أيضاً بقدرتها على إدارة المعلومة، وحماية الحقيقة، وكسب ثقة الرأي العام.
فالثقة أصبحت رأس المال السياسي الأهم، والشفافية لم تعد خياراً إدارياً، بل أصبحت ضرورة دستورية وسياسية، تفرضها طبيعة الدولة الحديثة، وتستوجبها متطلبات الحكم الرشيد.
وفي تقديري، فإن الحكومات التي تستوعب هذا التحول مبكراً ستكون أكثر قدرة على احتواء الأزمات، وتعزيز الثقة العامة، بينما ستجد الحكومات التي تتمسك بأدوات الاتصال التقليدية نفسها في مواجهة رأي عام رقمي يصنع الأحداث متسارع وغير راضي في بعض الاحيان، يؤثر في مساراتها، وربما يفرض أولوياته على أجندة العمل العام والاستقرار للدولة.
